في رحاب الجامعة
أخي الفاضل سعداء بكم لتواجدكم معنا
مساهمتكم الفكرية و الفنية و توجيهاتكم حافز لنا للتألق و تجاوز الهنات
راسلونا عبر البريد الإليكتروني:
luobleb@yahoo.fr
0663065799/0651370505/0535538116
عيد مبارك سعيد
لولوج الموضوعات إضغط على : المنتدى . بعد ذلك اضغط على : المنتدى الأول . ( و هكذا يمكنك اختيار المواضيع )

في رحاب الجامعة

فضاء ثقافي ،تربوي، فني ،و علمي ينقلك إلى عالم العلم والمعرفة و يقربك و بشكل مباشر إلى جديد الأنشطة العلمية المتميزة بالجامعة و رصد التظاهرات المختلفة داخل المغرب وخارجه -هكذا أردنا و من هنا سننطلق في ثبات بغية خلق إعلام هادف وتواصل أعم. زيارتكم دعم لنا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محمد أمنصور: القص وإشكالية التعبير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
belboul
Admin


عدد المساهمات : 1436
نقاط : 4414
تاريخ التسجيل : 30/03/2010
الموقع : المغرب -مكناس

مُساهمةموضوع: محمد أمنصور: القص وإشكالية التعبير    الخميس فبراير 16, 2012 3:46 pm

محمد أمنصور: القض وإشكالية التعبير


القـص وإشكاليـة التعبيـر

محمد أمنصور
ترتبط معرفة موقع الرواية في النظام الثقافي العربي – الإسلامي بمعرفة مفهوم الأدب ضمن هذا النظام وكذا تحولاته وشروط تبلوره. ولعل أول ما يلفت الانتباه، مسألة غياب بعض الأجناس التعبيرية الحديثة و " المستحدثة " من تراث الأدب العربي: (الرواية، القصة القصيرة، المسرح، السيرة الذاتية)، وهو غياب يطرح أكثر من سؤال حول الأسباب المباشرة وغير المباشرة، التي جعلت اللغة العربية لا تعرف هذه الفنون إلا في وقت متأخر، وبعد الاكتشاف المعرفي الثاني للآخر. وعلى الرغم مما يبدو من مسافة زمنية ونوعية بين الممارسات الأدبية الموجودة وغير الموجودة في تراثنا الكلاسيكي، فإنه – كما يقول عبد الفتاح كيليطو – "من المفيد تفحص العلاقة التي تربط كل نوع بالأنواع الأخرى المجاورة أو البعيدة " ([1]). وهذا ما يدفعنا إلى طرح سؤال الأجناس الأدبية الحديثة الغائبة، ليس على سبيل التعسف، وإنما؛ من باب الحفر الموضوعي في آليات اشتغال النظام الثقافي العربي – الإسلامي وممكناته المتحققة والأخرى المحجوزة، بما في ذلك الظلال التي تلقيها طبيعته على " خصوصية " المتن الروائي العربي – عامة – والمحفوظي – بصفة خاصة -؛ ثم الاقتراب أكثر من فهم واستيعاب مختلف ردود الفعل التي أحاطت وتحيط بكل المحاولات التي تتوخى الخروج عن المعايير المتحكمة في هذا النظام، أو على الأقل، التشويش على ثوابته.
إن المسرح والروايـة والقصـة القصيرة والسيرة الذاتية فنون مرتبطة بالتمثيل (La représentation) : المسرح يعتمـد على العرض ومكوناتـه، فهـو تمثيل بالكلام والجسد وكل لغات وعناصر العالم القابلة للتوظيف في مجال الفرجة. والرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية تعتمد على الحكي والتخييل بالكلمات، أي على اللغة وأدوات الكتابة؛ فهي تمثيل باللغة وبواسطتها لتشغيل الخيال وتفعيل المتخيل في اتجاه مختلف المراجع الخارج – نصية المشتركة بين المبدع والمتلقي. وإذا كانت هذه الأجناس التعبيرية قد سجلت غيابا طيلة مسيرة تشكل النظام الثقافي العربي – الإسلامي، فقد لوحظ في المقابل الحضور الطاغي والمهيمن لمنتوجات نظام الشفاهية: الشعر والخطابة. وهو النظام الذي يقوم على ثنائية الشعر والنثر بما هي الأساس والعمود الفقري للتصور التقليدي في نظرية الأدب العربية.
لقد هيمن الشعر والخطابة على أساس منطق الثنائية التي كرست التعارض والتقابل، ولو أنه كان في العمق تعارضا شكليا ماداما في العمق ممارستين شفاهيتين في الجوهر. وكل هذا يعني أن التعبير الأدبي قد ظل رهين نظام الشفاهية أمدا بعيدا في الثقافة العربية الكلاسيكية، حيث زكى هذا الوضع منع الرسول تدوين القرآن في حياته مما جذر المنظور البعدي للكتابة. إن هذه الأخيرة تأخذ مكانها بعد الصوت لأنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، وهذا ما يفسر ذلك الانتظار إلى حين وفاة الرسول للشروع في فعل التدوين. لقد كانت خشية الخلط بين كلام الله وكلام الرسول من بين أسباب ذلك المنع، غير أن هذا لا ينفي عن الكتابة وضعها الثانوي بالمقارنة مع سلطة الصوت؛ فقد ظل وضعها الاعتباري موصوما بالهامشية. لا غرابة إذن في أن يأخذ شكل ازدهار التأليف مظهر تنامي ضروب الحواشي والتعليقات وألوان الشروح والتفسير التي راكمها الفقهاء والعلماء ضمن أفلاك المتون والأصول، التي يشكل القرآن مركزها.
إن إثارة الجانب المرتبط بمسألة حضور أو غياب بعض الأجناس التعبيرية في تراثنا الأدبي الكلاسيكي، تمليه الحاجة إلى إعادة صياغة إشكالية التعبير ككل – والقص ضمن هذا التعبير بصفة خاصة – في هذا التراث وفي سياق الأفق الذي رسمه لـه النظام الثقافي العربي – الإسلامي، وهي نفسها الحاجة إلى معرفة واقع مسألة التعبير، وبعض قضاياه النقدية والفنية قبل وخلال وبعد ظهور الإسلام.
فمن خلال ما سبقت الإشارة إليه، لا يمكن أن نتجاهل الانقسام الذي طال المشهد الثقافي بعد تفعيل أدوار الدين والسياسة فيه. فثقافة الخواص (العلماء والنقاد والفقهاء والأصوليين) ستتحكم في منظورهم للقص المناقض للمنظور السائد لدى العوام من الجهال، سواء منهم مبدعي القص من مؤدين أو متلقين. فهذا ابن الجوزي يضع ما يشبه منهاجا كاملا "يضبط فعالية القص ويوجهها توجيها محددا، لتحقيق أغراض وعظية ثابتة، ذلك، أن موقف الإسلام، لا يقتصر على وضع شروط ينبغي اتباعها وحسب، بل هو يقترح موضوعات القصص، ويوجب تنفيذها، غرض تهذيب السلوك الاجتماعي، والتعبير دينيا، هدفه التوجيه والوعظ، يقف فيه القاص، موقف الواعظ الديني، على أدلة الأحكام من قرآن وسنة، وسير الفاضلين والأولياء، ثم ينحو منحى تعليميا في بيان أصول العبادات، وشؤون المعاملات إلى غير ذلك مما يندرج في علوم الحديث والفقه " ([2]).
إن مناخا يتحكم فيه مثل هذا المنهاج، لابد وأن يبرز أدوارا جديدة لنقاد الأدب الذين يفترض أن لهم سلطة رمزية كافية لتوجيه القيم الأدبية والفنية. لقد كان موقفهم مستوعبا في الإطار المعرفي والأخلاقي للإسلام كما جسدته المؤسسة الثقافية الرسمية المحتكمة إلى مرجعية المؤسسة السياسية، التي لا تفصل بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية.
قد يفهم موقف النقاد من القص من زاوية أنهم متخصصون في الشعر، وحتى تطرقهم للنثر كان عرضيا ويمليه السياق النثري، مما جعل باحثة مثل ألفت كمال الروبي تقول عن ناقد كبير في حجم ابن قتيبة إن "تناوله للقصص الشفاهي جاء عرضا في سياق إدانته –كفقيه – لفعل القصاص في إفساد الحديث بسبب ما يروونه من أخبار تنافي الحقيقة. هـذا في إطار القصص الديني الذي يرتبط بالوعظ أو تفسير الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية " وتضيف " وهناك صورة أخرى للقاص عند ابن قتيبة، ذلك الذي كان معنيا برواية الخرافات التي لا أصل لها وكان لها تأثيرها في إفساد الحديث أيضا. وفي كل الأحوال، القاص مدان عند ابن قتيبة ومتهم بترويج الكذب وهو يوازي الزنادقة في المكانة من حيث الإساءة إلى الإسلام من خلال إفسادهم للحديث النبوي " ([3]).
لماذا – إذن – هذا العنف النقدي في مناهضة حرية التمثيل الأدبي على هامش النص النقدي؟ ولماذا كلما حاولت قصص العامة الاستقلال بكيانها الخاص والخروج من دائرة الإسناد الحقيقي والصدق من أجل تأسيس وجودها كلما ازداد موقف الخاصة سوءا وعنفا تجاهها بدعوى أنها تشكل خطرا على المسلم في دينه الذي قد تشغله عنه ؟
إن خشية الناقد هنا لا تنفصل عن خشية الفقيه والأصولي، فكلهم يجمعون على الخوف من طرائق تقديم القص الشعبي للحقيقة التاريخية التي أعاد القرآن صياغتها في قصص الأنبياء – على سبيل المثال – ضمن أفق الحقيقة الشرعية. وهذا العنف النقدي المتمثل في النفور والرفض يجد تبريره في كون موضوعات القص الشفاهي تشكل انزياحا واضحا وتجاوزا ملموسا في طريقة تقديمها للحقيقتين التاريخية والشرعية معا. وألفت كمال الروبي ترى هنا أن " الحقيقة التاريخية كانت تستوجب توفر سلسلة الإسناد كاملة، والرواية عن الثقاة، واستبعاد المصادر غير الموثوق فيها، مثل الاعتماد على الأحاديث الضعيفة، كما تستلزم أيضا عدم التزيد في رواية الأخبار والالتزام بحرفيتها. كما تستوجب الحقيقة الشرعية التقيد بالأوامر والنواهي والاستناد إلى ما تفرضه الشريعة المستندة إلى النص القرآني والأحاديث الصحيحة. وعلى هذا يمكن أن نقول إن هذه المادة القصصية – ذاتها – بتجاوزاتها لما ينبغي أن يكون كانت سببا جوهريا من أسباب الاعتراض على القص والنظر إلى الابتكار على أنه هذيان وخرافة " ([4]). إننا أمام وضع لا يترك للقص أفقا آخر خارج الاختزال – ممثلا في حصر وظيفته في التذكير والوعظ والاعتبار – أو الذم (ذم القصص) من منظور تحكمه أسباب يحددها عبد الله إبراهيم في محاور ثلاثة، هي :
"أولا : [كون القصص] تخرق ثبات الأصول وصحتها، وهي في هذا بدعة، وثانيا، تخرج على محتوى الأصول إذ تشاغل عنها، وثالثا: تكرس سلوكا يهدف إلى الإفساد لأنها لا تحترز من الخطأ، وسيبقى هذا النسق الثلاثي من محاور الأسباب : الابتداع والاشغال عن القرآن والحديث وإفساد العوام، موجها لموقف الإسلام من القصص "([5]). كيف – إذن – للتعبير القصصي أن يزدهر وينمو أو يتطور في مناخ لا يرى في الابتكار خارج الأضلاع الثلاثة للحقيقة [ التاريخ / الشرع / السياسة] إلا الهذيان والتخريف وترويج الكذب والزندقة ؟
يقودنا الخلط بين الخيال والكذب إلى استعادة قضية الصدق والكذب التي أثارها القرآن بخصوص الشعر والشعراء. ولعلها من أخطر الإشكاليات الجدية التي سيعرفها مفهوم الأدب ضمن النظام الثقافي العربي – الإسلامي لما تلقيه من ظلال الشك والسؤال على طبيعة العملية التعبيرية ككل (حدها بين الحقيقة والخيال – ماهيتها بين الفن والأخلاق).
يقول تعالى في سورة الشعراء : " والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعدما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ([6]).
إن تأمل هذه الآية الكريمة يقودنا إلى استنتاج أساس يتمثل في التمييز بين نوعين من الشعراء : الذين يقولون ما يفعلون والذين يقولون ما لا يفعلون. وهو موضوع يندرج ضمن مسألة مدى مطابقة التعبير الشعري للسلوك أو الفعل؛ بمعنى علاقة الإبداع بالممارسة البشرية في أبعادها الواقعية والاجتماعية والتاريخية.
وسواء تعلق الأمر بالشعراء الذين يطابقون بين القول والعمل ممن قال فيهم تعالى " الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا " أو الذين لا يطابقون بينهما، فإن الإشكالية المضمرة والفاصلة بين النوعين هي إشكالية الصدق والكذب (صدق الشعراء في قولهم المطابق لفعلهم أو كذبهم في ذلك القول المخالف للفعل). على أن مفتتح الآية يرمي أتباع الطرفين بالغواية " والشعراء يتبعهم الغاوون "، وهو تعميم يخص كل أنواع الشعراء الذين يجمعهم الهيام ويوحدهم في كل واد " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ". وغير خاف هنا أن الهيام يفيد شطحات الخيال التي لا مستقر لها أو مطابقة مع الفعل التاريخي والممارسة الواقعية.
يقول أدونيس: " حين نقرأ هذه الآيات الواردة في القرآن الكريم حول الشعر والشاعر، لا نرى فيها تحريما للشعر، بل لا نرى فيها ما يدعو إلى رفضه بوصفه "قولا". إنها دفاع عن النبوة وكلام النبي، وتوكيد على أن القرآن كلام إلهي أو "تنزيل"، أي على أنه كلام آخر، غير الشعر وغير الكهانة، وأنه لا يتصف بصفات الشعر ولا بما يتصف به "قول الكاهن"، بل إن في الآية الأولى ما يميز الشعر عن "الافتراء" وعن الكهانة، من هنا نرى أن تأويل هذه الآيات بحيث يستفاد منها منع الشعر أو تحريمه أو استقباحه، إنما هو تأويل يفرط في الشطط، لأنه يفرط في الخروج على حدود التأويل وأصوله. وتدعم ما نذهب إليه السنة النبوية نفسها التي دعت إلى قول الشعر وشجعت الشعراء، وكان لها قولها الشعري في حربها على المشركين أو الذين يقاتلون الإسلام والمسلمين " ([7]).
يتضح – إذن – من كلام أدونيس أن بواعث القول القرآني لا تتمثل في تحريم الشعر أو رفضه بوصفه قولا بقدر ما تستهدف إبراز ما يميز الشعر عن الافتراء والكهانة معا. وبغض النظر عن السياقات والبواعث، فإنه قد أثار لأول مرة في سياق النظام الثقافي الناشئ قضية نقدية حيوية – ولو بشكل ضمني – تتمثل في سؤال ماهية الشعر أو طبيعته وهويته التخييلية بموازاة القول الديني الذي من أهدافه الجوهرية والمعلنة، ربط الممارسة والفعل البشريين بالصدق ودفع الإنسان إلى مطابقة قوله بفعله؛ أي نبذ الكذب والازدواجية بين السلوك والقول.
إن القول الديني يصدر في هذا عن طبيعة وهوية النص المقدس المؤسس على مفهوم الحقيقة الشرعية (المطلقة)، بينما يجنح القول الشعري إلى تأسيس هويته على مفهوم الخيال أو الحقيقة الاحتمالية التي لا تجعل من الصدق أو مطابقة القول للفعل أهدافا لها، بقدر ما تستهدف غايات أخرى من قبيل غواية المستمع أو سحره داخل مدارات العقيدة أو خارجها. إن التعبير الشعري لا يكون ملزما بالوفاء لمبادئ الشرع، والسبب يكمن ببساطة في كون أخلاق الأدب غير أخلاق الدين، ونسبية الحقيقة الأدبية (عدم مطابقة القول للفعل) غير مطلقية الحقيقة الشرعية !
ستدفع قضية (الصدق والكذب) بالأديب، سواء كان شاعرا أو ناثرا، إلى مواجهة سؤال جديد ضمن النظام الثقافي القائم، هو سؤال الأدب في علاقته بالواقع، أي علاقة القول الشعري أو النثري بالسلوك البشري الواقعي والتاريخي. وهو سؤال معقد يخفي بقدر ما يكشف التأرجح بين نسقين اثنين هما، نسق التخييل الاستعاري – المجازي ونسق المرجع الواقعي – التاريخي ومقتضيات الفعل والسلوك البشري. وكل هذا اقتضى إعادة صياغة إشكالية التعبير الأدبي في علاقتها بالقضايا الكبرى للوجود أو ما يمكن اختزاله وتكثيفه في العبارة التالية : (القول الأدبي- أو الكتابة بين حدي المجاز والتاريخ).
إن هذا الإرباك الديني سيضع الوازع الأخلاقي في المحك بين الأديب وقضايا تعبيره، كما سيؤدي إلى تحول كبير على صعيد تاريخ الأدب العربي الكلاسيكي يكون القول الشعري – النثري فيه موضع تساؤل على محك الثنائية الجديدة (الصدق والكذب) التي ليست في جوهرها سوى قناع لثنائية (المجاز والتاريخ).
ومع مسارات نصوص بعينها مثل "كليلة ودمنة" و "مقامات" الهمذاني أو الحريري، يمكن رصد التجلي الذي ستأخذه هذه الإشكالية في النثر القصصي المكتوب. ففي مناخ ثقافي يحكم على النص الأدبي من منظور العلاقة بالواقع في إطار ثنائية الصدق والكذب، وضمن المعيار الأخلاقي ومبدأ الفائدة النفعية، نجد نصا مثل " كليلة ودمنة " يحظى بقبول رسمي ونقدي باعتبار فاعليته الوظيفية التي تكمن وراء كذبه التخييلي. ورغم تجاوز النص للواقع من خلال هذا الكذب، فإن فاعليته تجد مبررها في الوظيفة الأخلاقية؛ لأنه مهما أوغلت شخصيات النص في الإغراب، فإنها تظل خارج دائرة الصدق والكذب مادام تهديدها للأخلاق العامة وأخلاق الدين مستحيلا بحكم بعد شخصياتها (الحيوانات) عن الواقع وعدم مطابقتها للحقيقة؛ بل وطغيان الإغراب فيها. لقد أجاز النقاد والفلاسفة هذا النوع من القصص مادام توسيعه للخيال ومفارقة الواقع يظل مرتبطا بالغاية الأخلاقية والمعرفية ومدى خدمته لها. بل؛ لماذا لا نقول إن تحكيم المعيار الأخلاقي في تقييم الكذب في هذا النوع من القصص، هو ما يفسر لماذا أصبحت " كليلة ودمنة " لزمن ما بمثابة تقليد أدبي تقاس عليه الأعمال القصصية الأخرى لدى النقاد ؟
إن السؤالين اللذين وجها حكم النقاد في " كليلة ودمنة "، هما :
أ – هل هي صادقة أو كاذبة ؟
ب – هل هي خارجة عن الصدق والكذب ؟
وهما من الأسئلة التي تبحث في مدى مطابقة النص القصصي للحقيقة. والجدير بالذكر، أن مصير المقامات سيكون مختلفا مع نفس السؤالين. فالوظيفة الأخلاقية نفسها هي ما سيشكل سببا رئيسا لعـدم قبولها، ذلك أن شخصيات المقامات المعروفة بالتكدية والتسول - في تقدير نقاد من أمثال ابن الخشاب - هي شخصيات محتملة الوجود في الواقع، فهي لا تقع خارج دائرة الصدق والكذب كما هو الحال بالنسبة لكليلة ودمنة. فكذبهـا التخييلي – بهذا المعنى – غير مستساغ أو مقبول لما قد ينتج عنه من التباس الصدق بالكذب لقرب الشخصيات من الواقع وانعدام الإغراب. وللوقوف على موقف ابن الخشاب بحيثيـاته الدقيقة، نسوق لـه هذا النص رغم ما فيه من إطالة، يقول:
"وابن الحريري في الاحتجاج عليه بما ساقه من كلامه في هذا الفصل غالط أو مغالط، إذ كان ما احتج به من الموضوعات على ألسنة العجماوات والجمادات لا يشبه ما أخذ فيه من ذكر الحارث بن همام وأبي زيد السروجي، لأن ما ذكر من ذلك في الكتاب المعروف بكليلة ودمنة أو حكايات السندباد موضوعة وضع الأمثال، لتفيد الحزم والتيقظ وتنبه على مواضع الزلل في الرأي لأخي الغفلة، وتعطي التجربة لذي الغرة، ولذلك وضعت الأمثال،.. وقد ضرب الله الأمثال في كتبه المنزلة على أنبيائه عليهم السلام، بما يخرج عن هذين الضربين، ويجل عن التشبه بما في كليلة ودمنة وما جرى مجراه، فإنه بمجرد التجربة يلتبس فيه صدق بكذب، إذ كان في خروجه عن المألوف ومباينة المعروف ظاهرا لكل واحد، لأن الأسد لا يخاطب الثعلب على الحقيقة ولا النمر الشجرة، ولا القرد السلحفاة، ولا الحمام الشاة، إذا أخبر به مخبر لم يلتبس بصدق، فعلم المقصود به بديهة، والإخبار عن الحارث والسروجي ممكن أن يكون مثله، وإن لم يكـن ذلك فهو كذب لا محالة، يلتبس مثله بالصدق، إذ غير مستحيل في العرف والعادة أن يوجد في الناس داهية يكنى أبا زيد، ويكون من سروج، ويكون من البلاغة والخلاص في التصرف في أبواب الحيل في المتعارف، ما حكى الحارث بن همام عنه، وكذلك وجود الحارث واتفاق اجتماعه مع أبي زيد على ما وصف ابن الحريري، فهذا يشبه الصدق، ويدخل تحت إنكاره، فهو كذب، لأن واضعه لا يدعي صحته، والأول لا يشبه الصدق من وجه، فأمره غير مخيل، وقد بان أنه غالط في التمثيل أو مغالط " ([8]).
يمكن القول إذن، في ضوء ما سبق، وكخلاصة للازدواجية في الحكم على نمطين من الكتابة يندرجان – معا – ضمن خانة واحدة هي فن القص، إن الوظيفة الأخلاقية هي ما يبرر قبول " كليلة ودمنة " مع تجاوزها للواقع من خلال الكذب التخييلي، وفي الوقت نفسه، تبدو الوظيفة الأخلاقية هي السبب الرئيسي في عدم قبول المقامات مع أنها أكثر قربا من الواقع وأكثر ارتباطا به.
مع هذا المنعطف في رصد القضايا النقدية والفنية المتولدة عن تطور وتفاعل عناصر النظام الثقافي العربي – الإسلامي، وتأثير ذلك على مصير الأدب (قضايا الصدق والكذب – الكذب التخييلي – التمثيل كما ورد في مختتم نص ابن الخشاب)، يمكن أن نطرح سؤالا أو أسئلة من قبيل :
- لماذا لم تستمر كتابة قصصية مثل (المقامات)؟ وهل العوامل التي تم ذكرها هي وحدها ما سبب في توقفها وموتها؟
- لماذا لم يتطور هذا الجنس التعبيري ليشكل نواة أو رافدا مباشرا وملموسا لجنسي القصة القصيرة والرواية؛ أو حتى السيرة الذاتية؟ ألم يمتلك الكثير من عناصرها التجنيسية؟ وهل المعيار الأخلاقي كمبرر خارجي كاف لتفسير موت جنس أدبي ما ؟
من الظاهر أن وجود جنس تعبيري قصصي مثل المقامة في ثقافتنا الكلاسيكية يعني أنه رغم كل العوائق الموضوعية، فإن السرد كان وظل حاضرا بقوة في النظام الثقافي العربي القديم. والمرء يستغرب للقرابة الظاهرة من الناحية الشكلية بين هذا الفن الأدبي القديم وفن القصة القصيرة أو الرواية الحديثين؛ بالنظر إلى قالب المقامة المبني على مادة حكائية مكونة من شخصيات وحبكة وأحداث وحوارات، وقبل ذلك، بداية ووسط ونهاية، إلى غير ذلك من الخصائص التي يمكن للمقارنة أن تثبت تماثلها مع بعض خصائص الرواية خاصة. لقد انتهى ابن الأثير مبكرا إلى تعريف للمقامة مفاده أن "المقامات مدارها جميعا على حكاية تخرج إلى مخلص" ([9])، غير أن استخدام ابن الأثير لمصطلح "حكاية" هنا – كما تستنتج الدكتورة ألفت كمال الروبي - " ينطوي على فهم محدد للقص، لأنه يقف على طبيعة القص التي تعتمد على خيط سردي يربط الأحداث بالشخصيات، ويتم من خلال قالب له بداية ووسط ونهاية، إلا أن تحقق المقامة في شكل نمطي، جعله ينظر إليها كقالب ثابت لا يتغير، لأن مفهومه للمقامة تحدد من زاوية مقارنتها بالكتابة الإنشائية الديوانية " ([10]).
ستثبت صحة هذا الحكم النقدي القديم على وجه ما، وسيثبت التاريخ جانبا من الصحة فيه عندما ستفقد المقامة القدرة على الاستمرار والتطور، ليس للأسباب الخارجية المذكورة آنفا – وحسب – وإنما – أيضا – لأسباب ذاتية نابعة من طبيعة تكوينها الأجناسي. فطغيان الصنعة على هذا اللون من الكتابة، أدى إلى وأد إبداعيتها فحكم عليها بالجمود والتحجر. وهذا ما يدعو إلى إعادة طرح سؤال إبداعيتها، خاصة وأن الأسئلة التي حملتها المقامة إلى الواقع والعالم والذات والوجود والتاريخ، ظلت حبيسة لغتها التزيينية الغارقة في تصنعها، فكان من سلطة التكرار التي ميزت فعل الكتابة فيها أن حكمت عليها بالنمطية والانغلاق، بما يعني ذلك من قصور في مقاربة سؤالي الذات والوجود معا. لقد احتقر صاحب المقامات الواقع – كما يقول أحد شخوص " أوراق " عبد الله العروي – ومع ذلك " وصل إلى نوع من الانبهار. تحرر من كل موصوف، من الأحياء والأشياء (...) وانغمس فيما لا يتغير أبدا. أي في قاموس الاشتقاق والترادف. قصة واحدة، ببنيها ويفككها ويعيد بناءها بلبنات أخرى خمسين مرة ؟ فعل ذلك دون أن يتعرف على السينما. من احتقر الواقع أكثر منه؟ لم يبحث عن نغمة الحنين ولكن وجد وسيلة حير بها الناظر المتأمل. ينزعه من محيطه ويرمي به في متاه كلامي لا مخرج منه " ([11]).
إذن، يتضح أن عدم مطابقة المقامة للحقيقة من منظور ثنائية الصدق والكذب (المعيار الأخلاقي) ليس هو السبب الوحيد في فنائها، وإنما يمكن الحديث أيضا عن سبب آخر، يتمثل في مجافاتها للواقع والذات وديناميات الوجود المتحرك.
نعود إلى مسألة غياب المسرح في الثقافة العربية الكلاسيكية، وذلك قبل أن ننهي هذه الفقرة التي تتوخى تمثل المكانة والحجم الحقيقيين لكل ما لـه علاقة بفعل (التمثيل/القص) في النظام الثقافي العربي– الإسلامي. فالغياب الإشكالي لهذا اللون التعبيري عن منظومة الثقافة العربية الكلاسيكية يدعو إلى طرح أكثر من سؤال، من قبيل:
- كيف نفسر عدم بروز أي شكل من أشكال الفرجة المسرحية في الحياة الثقافية لما قبل الإسلام، مع ما كان لحضارة يونان من سبق في إرساء قالب الدراما، والتأثير المفترض أن يكون لهذه التجربة الرائدة في المحيط الإنساني ؟
- لماذا لم يعرف النظام الثقافي العربي – الإسلامي أي شكل محدد من أشكال هذه الممارسة الفنية، التي لا تخلو - في وجه من وجوهها - من فن الحكي؛ حتى بعد انتشار الفتوحات الإسلامية والانفتاح الواسع على الآخر بثقافاته وحضاراته؟
- ألا يدعونا ما في هذا الفن من ارتباط بالتمثيل – عموما – إلى الإلحاح في طرح سؤال غيابه، قبل ظهور الإسلام وخلاله وبعده ؟
في كتابه المؤسس " الإيديولوجيا العربية المعاصرة " كان عبد الله العروي قد طرح سؤالا عميقا، يقول فيه " هل يمكن أن نكتب مأساة حقيقية في مجتمع لا يعرف أو يحارب الوعي المأساوي؟" ([12]). وهو السؤال الذي تتفرع عنه أسئلة أخرى أهم من قبيل :
- هل يقبل الدين الإسلامي، والمنطق الديني – عموما – المرتكز على مفهوم الحقيقة الشرعية (المطلقة)، وجود وعي مأساوي جنبا إلى جنب مع الوعي أو الإيمان الدينـي ؟
بالنسبة للدكتور أنطوان معلوف، فإن الوعي المأسوي يشكل قاسما مشتركا بين البشرية جمعاء وليس وقفا على الإنسان الآري أو الغربي وحده كما يدعي نيتشه. وقد حاول أن يقدم الدليل على ذلك من خلال تحليل مسرحيتين بالعربية هما "شهرزاد" توفيق الحكيم، و"قدموس" سعيد عقل، باعتبارهما خير دليل على أن الوعي المأسوي أمر ممكن في وعي الشرقي. فالمأساة الطالعة من عندنا ليست تطفلا على فن المأساة بقدر ما هي عودة إلى "الأصول" والتقاءً حيا صادقا بالتراث الاحتفالي المأسوي في الشرق الأوسط منذ فجر الحضارات حتى اليوم. بل إن "الإيمان بالعناية الإلهية لا يمنع المأسوية من أن تطل برأسها بين حين وحين، ولا هي تمنع يسوع في بستان الزيتون من أن يهتف "يا أبتاه، أبعد عني هذه الكأس.." ومن أن يهتف من على الصليب "ربّي، ربّي، لماذا تركتني ؟..." ولا تمنع "صمت المسافات اللانهائية" من أن تبعث الخوف في قلب المفكر الفرنسي المؤمن "باسكال". ذلك أن الإيمان بالعناية في عالم كل ما فيه تجربة عليها لا لها، إنما هو "مجاهدة" دائمة، على لغة الصوفيين، لا تسليم، مجاهدة المؤمن مع نفسه مع العالم حتى يبقى معتصماً "بحبل الله"، مهما اتسع تحته شدق الهاوية، أو مهما ألحت على وجدانه الرؤيا المأسوية..." ([13]).
أما صادق جلال العظم فيقول بقانون التعارض الطبيعي القائم بين الدين والمأساة. من هنا يرى "تعذر قيام المأساة بمعناها النهائي والمطلق ضمن إطار الأديان السامية الثلاثة. يستحيل على الدين أن يقبل المأساة بصفتها النهائية لأن العناية الإلهية تحيط بالكون إحاطة تامة وتسيره نحو الغايات القصوى التي اختارها الله لـه، لذلك نجد أن الدين بطبيعته يدعي تجاوز المأساة مهما كانت مفجعة ويدعي حل جميع إشكالاتها، إن لم يكن في الحياة الدنيا، ففي الآخرة إذن " ([14]).
وفيما إذا كانت الثقافة العربية الكلاسيكية (القائمة على احتكار السلطان السياسي لتأويل المعنى الديني) تتسع لروح المأساة التي تتوخى النظر إلى التاريخ نظرة شك وتساؤل، يرى العروي أن الإشكال يكمن بالنسبة للمسرح العربي في السؤال التالي: "هل يمكن أن يوضع القدر بين قوسين ؟ هـل يجوز الشك والتشكيك في مقاصده ؟ " ([15]). وبالنسبة إليه، فإن لهذا الوضع الملتبس لغياب المأساة في الثقافة العربية الكلاسيكية جذورا يعزوها إلى دور الفقهاء والأدباء والمتصوفة في عرقلة نشوء ونمو روحها. يقول : "كيف يمكن إذن أن ينشأ بيننا فن المأساة ؟ قد يندهش من كلامنا هذا كل من لـه أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام الذي عرف منذ بدايته حر الاقتتال. إن التاريخ الإسلامي مأساوي بالمعنى العامي، دموي حزين مؤلم. هذا صحيح، ولأنه كذلك لم يأل المسلمون جهدا، منذ البداية، لكي لا يتولد عن هذه الأحداث الدموية المؤلمة وعي مأساوي. شارك في هذا العمل الوقائي كل من الفقهاء، والأدباء والمتصوفة : ثلاث طبقات من الناس، تمثل في نفس الوقت ثلاث نزعات ثابتة للفكر الإسلامي وثلاثة حلول خادعة وناجعة إلى حد مدهش لطمس الشعور بمأساة الحياة " ([16]).
واضح إذن، كيف أن كلام العروي يدعم استنتاجنا بأن ثنائية (الدين - المأساة) المبنية على التعارض الأنطولوجي، تقوم كإشكالية بنيوية وجوهرية في تكوين النظام الثقافي العربي – الإسلامي. فهذا الأخير، مبني على مبدأ الحق المستمد من مطلقية الحقيقة الشرعية، المناقضة بدورها لروح المأساة وحقيقتها المؤسسة على مبدأ النسبية. وهذا الرجحان المعلوم " للحقانية " أو المنظور " الحقاني " للتاريخ، هو ما سيفوت على فن مثل المسرح، إمكانية الظهور والتطور في تربة الثقافة العربية الكلاسيكية. وقد ذهب العروي بعيدا في محاولة تشخيص هذا الوضع من خلال نموذج أحمد شوقي في الثقافة العربية المعاصرة؛ إذ قال: " لقد قيل بحق إن مسرحيات شوقي ليست سوى سلسلة قصائد (بطرس البستاني، أدباء العرب في الأندلس وعصر النهضة، بيروت 1937، ص: 231) لكن السبب هو أنه كان يجهل قواعد الفن المسرحي أو أن اللغة الفصحى فرضت عليه أسلوبا عتيقا. حتى لو كان عقد العزم على أن يأتي بكل جديد في هذا الباب، حتى لو كان مستظهرا لكل روائع المسرح العالمي، فإن إنتاجه كان سيظل رغم ذلك غنائيا تعليميا لأن المجتمع العربي ووجدان شوقي نفسه لم يكونا على استعداد لتناول مسائل الحق والتاريخ تناولا إشكاليا " ([17]).
*
* *
بموازاة مع ما سبق، يمكن طرح سؤال آخر يخص جنسا تعبيريا آخر لا يخلو من عنصر القص وخصائص الكتابة القصصية، وهو جنس السيرة / الترجمة. فكيف؛ أو لماذا لم يتطور هذا الجنس التعبيري بدوره، ليمد الحقل الثقافي القديم والحديث بنموذج تعبيري قابل للتطور ضمن أفق الكتابة التي تجعل من الذات محورها ؟
لقد اقترنت السيرة، كجنس تعبيري في الثقافة العربية الكلاسيكية، بالرسول؛ لكن باعتبارها فعلا " ترجميا " لشخصية من صميم العوالم القدسية (فالرسول شخصية تاريخية وواقعية، وغير أسطورية أو خرافية، إنما هذا لا يمنع من كون مصدر مشروعيتها هو القدسي). ولأن الأمر كذلك، فإن كتابة السيرة تتم من طرف الآخرين، أي من لدن من يبتغون خدمة الدعوة الإسلامية في مراميها البعيدة والقريبة. وهذا النوع من السيرة لا علاقة له بمفهوم التعبير الشخصي الذي ينهض على مبدأي البوح والاعتراف ([18]). بل، حتى السيرة كما سيكتبها لاحقا مؤرخ مثل ابن خلدون، سوف لن تفتح الباب أمام أسئلة الذات بما هي أفق للتعبير والتخييل، وذلك لأن العادة التي ترقى إلى مستوى القانون في النظام الثقافي العربي – الإسلامي تجعل من غير اللائق بالإنسان المسلم أن يتحدث عن نفسه، فما بالك بالتأريخ لأنـاه أو فضح المستور من عورته!
ولرفع الالتباس عن هذه العلاقة المفترضة بين "الأنا" و"التعبير"، يذهب عبد الفتاح كيليطو إلى القول بأن "أغلب الظن أن مسألة التعبير عن الذات – التي لا يرد ذكرها في النقد القديم - أخذت تتبلور مع السيرة الذاتية الحديثة، المبنية على الاختلاف. فالذي يكتب اليوم حياته يسعى إلى إثبات تميزه عن باقي الناس... وبالتالي إثبات وحدته. أن أسرد حياتي معناه أن أعلن، صراحة أو ضمنيا، بأنني أختلف عن باقي الناس. بل إن هذا الاختلاف هو الذي يسوغ كتابة السيرة الذاتية. وعلى العكس فإن الحديث عن الذات في سلم ترتيبي. أن أتكلم عن نفسي معناه في هذه الحالة أن أعلن هل أنا أسمى، أرفع منزلة، أعلى مقاما من شخص آخر أم لا، أعلى مقاما أو أحط في خاصية من الخاصيات، في فضيلة من الفضائل أو رذيلة من الرذائل " ([19]). فهل معنى هذا أن الإطار الثقافي المسيحي وحده، ما يخلق المناخ الملائم لكتابة فن السيرة ؟
من المعروف أن مبدأ الاعتراف الذي تقوم عليه السيرة الذاتية يجد جذوره في المرجعية المسيحية (اعتراف المذنب أمام القس بما ارتكب من معاصي، ومنح هذا الأخير للمغفرة بعد إرشاده إلى الكيفية التي سيكفر بها عن ذنبه)؛ والحالة هذه، فإن المرجعية الإسلامية التي لا تأخذ بمبدأ الاعتراف، لم تكن لتجد لهذا النوع من الكتابة ما يبرره دينيا – على الأقل - ولذلك، فإن ما سيكتب من سير في الأدب العربي الكلاسيكي سيختلف – قطعا – عن نظيره المنجز في ظل المرجعية المسيحية في الغرب. فالاختلاف ناشئ من اختلاف المعيار والتصور والممارسة بين مرجعيتين ثقافيتين. وتكفي الإشارة هنا إلى أن طبيعة النظام الثقافي العربي – الإسلامي جعلت حق الكتابة عن الذات مشروطا بشروط معينة، منها مثلا أنه " لم يكن ممكنا كتابة سيرة ذاتية إلا إذا كان الذي يكتبها أو يمليها معروفا بإنجازات وبكتب؛ أي إلا إذا كان مؤلفا معترفا بقيمته " ([20]). فهل تقودنا هذه المقارنة بين المرجعيتين، المسيحية والإسلامية، إلى حد القول بأن ثوابت الثقافة العربية الكلاسيكية كانت تتنافى مع نشوء وتبلور فن السيرة بما هي إتاحة فرصة للأنا بقصد التعبير والبوح والاعتراف والاختلاف؛ أي كشف مخبوء الذات منذ طفولتها إلى مشارف نهايتها ؟
ليس من الضروري الإجابة على كل الأسئلة، وإن كان من الدال التأكيد مع كيليطو على أن " الطفولة مسكوت عنها في كتب التراجم. بل في الأدب الكلاسيكي بصفة عامة. لا يكاد يرد ذكر الطفل إلا في الرثاء، عند ما يفقد شاعر ولده (ابن الرومي)، أو عند الاستعطاف (الحطيئة).
لماذا تهمل الطفولة في التراجم؟ لأن الشخصية التي يجوز التحدث عنها هي الشخصية العاقلة والمسؤولة شرعا " ([21]).
لا يعني إقرارنا بأن الأدب العربي القديم – وخاصة منه فني المقامة والسيرة – كان متمنعا على أسئلة الواقع والذات، أن ذلك ينقص من قيمته أو يقود إلى الحكم عليه بالعقم. لقد كانت تلك الأجناس التعبيرية التقليدية مطابقة لظروفها، وليس محقا من يقفز على مبدأ تاريخية الظواهر التعبيرية لقياس القديم بمقياس الحديث. وهذا هو ما جعل كيليطو يقول : " لكن البديهيات تغيب أحيانا عن البصر، فهناك من يتأسف بصفة صريحة أو ضمنية، لكون السيرة القديمة تبتعد عن النموذج الحالي، كما أن هناك – وهذا شيء معروف – من يلوم الهمذاني والحريري لأنهما لم يتقيدا بقواعد القصة والرواية !
عندما لا تدرس النصوص القديمة لذاتها، فإنها لا محالة تبدو مشوبة بالنقص والشذوذ. فمن الباحثين من يضفي صبغة المطلق على أسلوب السيرة الذاتية الحديثة ويعتقد أنه أسلوب " طبيعي " فتبدو له السيرة القديمة منحرفة ضالة لا تستقيم إلا في صفحات قليلة، أي الصفحات التي تتلاءم مع النموذج الحالي " ([22]).
ونحن أبعد ما نكون عن مثل هذه الأحكام؛ إنما هذا لا يمنعنا من توصيف واقع الحال في هذه الجوانب من التراث العربي، والتي من سماتها غياب فنون المسرح والرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية، والتباس وضع القص – عموما – في سياق العـوائق الناتجة عن سوء فهم ماهيـة الخيال ووظائفـه، والخلط بين الاعتبار الفني – التعبيري والاعتبار الأخلاقي – النفعي.
لقد ظلت المعادلة الطبيعية للقص مع مختلف أشكال التلقي - (الفقهي – الفلسفي – الأصولي – السياسي ... إلخ) -على مدى مسيرة تكون هذا النظام الثقافي، متعذرة الاستواء. وسواء تعلق الأمر بـ:
- إشكالية الصدق والكذب (مع القصص الشعبي، الشفوي والمكتوب)
أو – إشكالية الكذب التخييلي والحقيقة (مع كليلة ودمنة والمقامات)
أو – إشكالية الوعي المأساوي (مع المسرح)
أو – إشكالية التعبير الذاتي (مع السيرة)،
فقد ظل سوء التفاهم قائما حول جوهر ومفهوم العملية الإبداعية. وبين حماة الحقيقة الشرعية، والحقيقة التاريخية، والحقيقة السياسية، والحقيقة الأخلاقية، فضاعت على القص فرص كثيرة للتطور والتبلور في اتجاه معانقة القضايا الحقيقية للإبداع.
إن سوء تقدير المكانة التي يمكن أن تشغلها فنون القص، أدى إلى وجود فنون تعبيرية " قصصية " أصيلة في زمانها، لكن عاجزة عن التطور والاستمرار والتكيف مع مستجدات الأنظمة الثقافية المتحولة. بيد أن هذا لا يمنع من كون هذه الفنون (المقامة و السيرة على سبيل المثال) لم تجسد – في نهاية التحليل – سوى ما كان متاحا لها أن تجسده، فحق اعتبارها أشكالا تعبيرية مطابقة لأوضاعها التاريخية والسياسية والثقافية. إنه تفويت لحقها من جراء كثرة العوائق والإكراهات الموضوعية والذاتية، كان من الممكن لو لم يحصل، أن تشكل آفاقا تعبيرية وإرهاصات حقيقية لتبلور أنماط قصصية مغايرة تنطوي على مفهوم متحرر للخيال والإبداع، ينفلت من كل إكراهات ثوابت النظام الثقافي العربي – الإسلامي ليعانق المعادلة التعبيرية التي تجعل من العملية الإبداعية – ككل – رهان كتابة بين التمثيل والوجود.
هوامـش
[1] - عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، البيضاء، الطبعة الأولى، 1988،ص:71.
[2] - عبد الله إبراهيم : السردية العربية، المركز الثقافـي العربي، بيروت، ط: أولى، 1992، ص: 67.
[3] - الفت كمال الروبي: الموقف من القص في تراثنا النقدي، مركز البحوث العربية للدراسات والتوثيق والنشر، القاهرة، ط : أولى، 1991، ص : 25.
[4] - المرجع نفسه، ص : 96.
[5] - عبد الله إبراهيم : السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، مرجع سابق، ص : 61.
[6] - القرآن الكريم، مصحف المـدينة النبويـة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، عام 1407هـ، سورة الشعراء، ص : 376، الآيات (223 - 227).
[7] - علي أحمد سعيد (أدونيس):كلام البدايات، دار الآداب، ط: بيروت، طبعة أولى، 1989، ص:186.
[8] - ابن الخشاب (أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي)، (492 – 567هـ): الاعتراض على الحريري في مقاماته، ضمن كتاب المقامات الأدبية للحريري، مطبعة الحلبي، مصر، 95هـ، ط: 3، ص: 6.
[9] - عن كتاب "الموقف من القص في تراثنا النقدي" لألفت كمال الروبي، ص: 44 ¬ (ابن الأثير ضياء الدين)، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، منشورات دار الرفاعي بالرياض، بدون تاريخ الجزء الأول، ص: 55.
[10] - ألفت كمال الروبي: الموقف من القص في تراثنا النقدي، مرجع سابق، ص : 44.
[11] - عبد الله العروي : أوراق، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط : 2، 1996، ص : 241.
[12] - عبد الله العروي: الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط: أولى، 1995، ص: 234.
[13] - د. أنطوان معلوف: المدخل إلى المأساة: التراجيديا والفلسفة المأسوية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط: أولى 1982، ص: 127.
[14] - صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، ط : 8، 1997، ص: 74 – 75.
[15] - عبد الله العروي : الإيديولوجيا العربية المعاصرة، مرجع سابق، ص : 235.
[16] - المرجع نفسه، ص : 236.
[17] - مرجع سابق، ص : 237.
[18] - يقف الباحث الدكتور عمر حلي عند إشكالية التسمية بين القديم والحديث، فيقول: "(...) ولعل اختلافات التسمية التي أشرنا إليها سابقا تعبر عن شرخ مفهومي يتأسس على أنقاض غياب هذا الشرط، مادام الحديث عن السيرة الذاتية في الأدب العربي ليس قديما ولا يمكن إلا أن يتأثر بالترجمة ومضاعفاتها.
وقد دعتنا هذه الملاحظة الأولية إلى العودة ثانية إلى أهم المراجع العربية في الموضوع لمعالجة هذا التحويل الاصطلاحي، فازداد لدينا الإحساس بالارتخاء وأدركنا أنَّ أغلب تلك المراجع يتيه في اللبس والغموض عندما يرتطم ببوابة التاريخ. وذلك للصعوبات التي يثيرها الحديث عن سيرة ذاتية في الأدب العربي القديم تحاكي النموذج النظري الراهن الذي يتم الانطلاق منه. وقد أدى ذلك ببعض النقاد إلى ترجمة Autobiographie بـ " ترجمة شخصية"، اعتقادا منهم أنَّ مثل هذا الاقتراح سيزيل اللبس أو يخفف من حدته على الأقل. والحق أنهم لجأوا للفظة "ترجمة" لأنها تصب مباشرة في تداعيات كتابات التراجم في التراث، فتبرر بذلك المشروعية التاريخية للنوع ضمن أفق نظري ينطلق أساسا من المركزية الإيديولوجية التي ترى بأنَّ التاريخ بدأ عند حدودها ويجب أن يستمر داخل هذه الحدود".
- د. عمر حلي: البوح والكتابة: دراسة في السيرة الذاتية في الأدب العربي، مجموعة البحث الأكاديمي في الأدب الشخصي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير، مطبعة دار وليلي، ط. أولى، 1998، ص: 11.
[19] - عبد الفتاح كيليطـو: الحكاية والتـأويل، دار توبقـال للنشر، البيضاء، الطبعة الأولى 1988، ص: 76–77.
[20] - نفس المرجع، ص : 73.
[21] - المرجع نفسه، ص : 78.
[22] - عبد الفتاح كيليطو : الحكاية والتأويل، مرجع سابق، ص : 69 – 70.
عن: http://www.minculture.gov.ma
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.belboul.riadah.org
صابر مستور



عدد المساهمات : 3
نقاط : 5
تاريخ التسجيل : 15/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: محمد أمنصور: القص وإشكالية التعبير    الأربعاء فبراير 29, 2012 3:55 am

شكرا على المجهود الرائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محمد أمنصور: القص وإشكالية التعبير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
في رحاب الجامعة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: