في رحاب الجامعة
أخي الفاضل سعداء بكم لتواجدكم معنا
مساهمتكم الفكرية و الفنية و توجيهاتكم حافز لنا للتألق و تجاوز الهنات
راسلونا عبر البريد الإليكتروني:
luobleb@yahoo.fr
0663065799/0651370505/0535538116
عيد مبارك سعيد
لولوج الموضوعات إضغط على : المنتدى . بعد ذلك اضغط على : المنتدى الأول . ( و هكذا يمكنك اختيار المواضيع )

في رحاب الجامعة

فضاء ثقافي ،تربوي، فني ،و علمي ينقلك إلى عالم العلم والمعرفة و يقربك و بشكل مباشر إلى جديد الأنشطة العلمية المتميزة بالجامعة و رصد التظاهرات المختلفة داخل المغرب وخارجه -هكذا أردنا و من هنا سننطلق في ثبات بغية خلق إعلام هادف وتواصل أعم. زيارتكم دعم لنا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رؤية الشريعة الإسلامية للتعذيب ،إعداد الباحث: محمد صمصام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
belboul
Admin


عدد المساهمات : 1436
نقاط : 4414
تاريخ التسجيل : 30/03/2010
الموقع : المغرب -مكناس

مُساهمةموضوع: رؤية الشريعة الإسلامية للتعذيب ،إعداد الباحث: محمد صمصام   الخميس يونيو 30, 2011 6:57 am

رؤية الشريعة الإسلامية للتعذيب


إعداد الباحث: محمد صمصام
يوجد اتجاهان في الفقه الإسلامي فيما يتعلق بموقف الشريعة الإسلامية من التعذيب (أخطر الجرائم الماسة بما دون النفس)، اتجاه ضعيف يرى إقرار التعذيب واتجاه قوي يرى تحريم التعذيب.
وسوف أعرض لذلك في مطالبٍ ثلاثة : أعرض في أولهما الاتجاه المقر للتعذيب، وفي ثانيهما الاتجاه المعارض للتعذيب، أما المطلب الثالث فسأدرس فيه موقف الفقه القانوني الإسلامي المعاصر من التعذيب .
المطلب الأول
الاتجاه المقر للتعذيب
هناك رأي في الشريعة الإسلامية أجاز ضرب المتهم الفاجر وأسند رأيه إلى عددٍ من الحجج والأسانيد .
أولاً - جواز ضرب المتهم الفاجر :
يقر أنصار هذا الاتجاه التعذيب ويرون لزومه في حالةٍ معينة، وهي حالة المتهم المعروف بالفجور والعصيان . حيث قسم أصحاب هذا الاتجاه المتهمين إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول : أن يكون المتهم معروفاً عنه الصلاح والتقوى وليس من أهل التهمة . أي أنه بالمعنى الاصطلاحي للفقه الجنائي الحديث، حسن السيرة والسلوك، وليس مجرماً معتاداً .
وهذا النوع - طبقاً لهذا الاتجاه – لا يُعاقب ولا يُعذب من أجل الاعتراف بما نُسب إليه من جُرم.
بل على العكس من ذلك، فقد اختلف الفقهاء في عقاب الشخص الذي ادعى على هذا المتهم، وكان لهم عدة آراء :
ذهب رأي إلى أنه يُعاقب سواءً قصد إيذاء المتهم أم لم يقصد([1])، في حين قال رأي آخر بأنه لا يُعاقب إلا إذا قصد إيذاء المتهم([2]) . وقد قال الإمام أبو حنيفة النعمان (t) فيمن قال لغيره يا فاسق يا لص، فإن كان المقول له من أهل الصلاح والتقوى ولا يُعرف عنه ذلك، فعلى من قال له ذلك التعزير، لأن العار يلحقه إن كان بهذه الصفة، وإن كان المقول له مشهوراً بذلك لم يُعزَّر من قال له ذلك([3]) .
النوع الثاني : أن يكون المتهم مجهول الحال، لا يُدرك عنه إن كان صالحاً تقياً طيب السمعة، أو شقياً مفسداً سيء السمعة .
أجمع فقهاء هذا الاتجاه على أنه يُحبس (حبساً بدون إهانة، أو تعذيب) حتى ينكشف أمره، فإن كان باراً صالحاً أُطلق سراحه ولم يتعرض له، أما إن كان فاسداً شقياً استمر حبسه حتى يُتحقق من نسبة ارتكاب الجريمة إليه، بوسائل أخرى غير التعذيب، ولا يوجد مخالف([4]).
واستدلوا على ذلك بما رواه بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن رسول الله (r) حبس رجلاً في تهمة ثم خلى سبيله"([5]) .
النوع الثالث : أن يكون المتهم مشهوراً بالفجور وارتكاب المعاصي كالقتل والسرقة والزنا، أي بالمعنى الاصطلاحي للفقه الجنائي الحديث أنه مجرم معتاد الإجرام وله سوابق جرمية([6]) .
فهذا النوع من المتهمين يُحبس حتى يتم إجراء التحريات اللازمة عنه، ويُكشف حاله . وعن مدة الحبس التي يقضيها المتهم في هذه الحالة، هناك رأيان :
الرأي الأول : (وهو رأي عمر بن عبد العزيز وغيره) يقول بحبس المتهم حتى يموت .
الرأي الثاني : (وهو للإمام مالك) يذهب إلى أن الحبس لا يستمر حتى الموت، ولكن لحين تظهر توبة المتهم فيخرج من السجن، ولا يتعرض له بالإيذاء([7]) .
ورغم اتفاق أصحاب هذا الاتجاه في حبس هذا الصنف من المتهمين، فقد انقسموا، في جواز تعذيبهم، إلى ثلاثة آراء :
انتهى الرأي الأول، وهو رأي الغالبية، إلى جواز التعذيب لكشف الحقيقة واستندوا إلى ما ثبت في الصحيح من أن الرسول (r) أمر الزبير بن العوام أن يمس ابن أبي الحقيق (وكان من المعاهدين) لما كتم أخباره عن النبي عليه السلام في أمر المال الذي عاهدهم عليه، قال له النبي (r) أين كنز حيي بن أخطب ؟ فقال : يا محمد، أنفذته النفقات والحروب، فقال: المال كثير والمسألة أقرب ثم قال للزبير : دونك هذا، فمسه الزبير بشيءٍ من العذاب فدلهم على المال" .
وذهب الرأي الثاني إلى عدم جواز ضرب المتهم أو تعذيبه، وإنما الجائز هو حبسه حتى ينصلح حاله . أما الرأي الثالث (وهو رأي الإمام مالك) فقد ذهب إلى عدم جواز حبس المتهم حتى الموت ولا استخدام الحيلة معه للاعتراف، وعدم جواز التعذيب([8]).
ثانياً - حجج هذا الاتجاه :
احتج أصحاب هذا الاتجاه المؤيد للتعذيب بالأسانيد التالية :
1 – ما فعله علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما عندما بعثهما الرسول عليه السلام في أثر المرأة التي أرسلها حاطب بن أبي بلتعة بكتابه إلى قريش يخبرهم فيه بما انتواه رسول الله (r)، فلما لحقا بركبها استنزلاها والتمسا في رحلها الكتاب فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي (t) : أحلف بالله ما كذب رسول الله (r) ولا كذبنا لتخرجي هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجِدَّ منه أخرجت الكتاب من قرون رأسها، حيث كانت قد جعلته في شعرها وفتلت عليه قرونها . ويُفهم من هذا أن التهديد والترهيب هما من السياسة الشرعية([9]) .
2 – ما حدث في واقعة حديث الإفك، حيث استشار النبي علياً (t) في إضرار الجارية، فضربها علي، ولكنها لم تقل إلا خيراً في حق السيدة عائشة (t). بما يعني جواز الضرب للإقرار بشيءٍ ما([10]) .
3 – ما ثَبُت في الصحيحين عن أنس بن مالك (t) "أن يهودياً رضَّ رأس جاريته بين حجرين، فقيل لها : من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أو فلان حتى سُمي اليهودي، فأوتي به النبي (r) فلم يزل به حتى أقر، فرض رأسه بالحجارة"([11]).
4 – سُئل الحسن بن زياد : أيحل ضرب السارق حتى يقر؟ قال : ما لم يقطع لحم ولا يبين عظم .
5 – ما حُكي عن الفقيه أبي بكر الأصم أن المدعى عليه إذا أنكر فللإمام أن يعمل فيه بأكبر رأيه، فإن غلب على ظنه أنه سارق وإن المسروق عند عاقبه. ويجوز ذلك، كما لو رآه الإمام مع فاسق في مجلس الشرب، وكما لو رآه يمشي مع السارقين([12]) .
وهكذا نجد أن هذا الاتجاه أقر التعذيب فقط بالنسبة للمتهم المعروف بالفجور وارتكاب المعاصي والجرائم . ونلاحظ أن حتى هذا البعض الذي أقر تعذيب المتهم المشهور بالفجور، لم يعترف إلا بوسيلة واحدة للتعذيب، وهي الضرب.
كما أننا نلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه، قد ذهبوا إلى أن القصد من الضرب هو حمل المتهم الفاجر على الإقرار الصحيح فقط، أما إذا أقر المتهم على غير الحقيقة بسبب الضرب فلا يؤخذ بهذا الإقرار .
المطلب الثاني
الاتجاه المعارض للتعذيب
سأتناول هذا المطلب في فرعين :
سأبحث في الفرع الأول أدلة التحريم، أما الفرع الثاني فسأدرس فيه ما يترتب على وقوع التعذيب .
الفرع الأول
أدلة التحريم([13])
أولاً – الأدلة من القرآن الكريم :
1 – يقول الله تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾([14]) .
وتعني الآية تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان وتفضيله على الملائكة وسائر المخلوقات([15]). والتكريم عكس الإهانة، وهذا يعني عدم جواز إذلال الإنسان بالتعذيب وغير ذلك من الوسائل.
2 – كما قال عز وجل : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ([16]) .
تشير هذه الآية إلى تحريم إيذاء المؤمنين والمؤمنات، و أذية المؤمنين و المؤمنات هي أيضاً بالأفعال و الأقوال القبيحة . وقد جاء لفظ (الإيذاء) عاماً، وهذا يعني تحريم الإيذاء مطلقاً سواءً أكان إيذاءً جسمانياً بالضرب وغيره ما يُطلق عليه (التعذيب الجسدي)، أو إيذاءً معنوياً بالتجريح والسباب وخلافه مما يسمى بِـ (التعذيب النفسي).
ثانياً – الأدلة من السنة النبوية العَطِرة :
1 – يمنع الإسلام تعذيب الإنسان ولو كان متهماً إذ أن القاعدة فيه أن (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، ولأن التعذيب يتعارض مع قوله (r) : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" .
بل أن الإسلام راعى حقوق الإنسان حتى في توقيع الحدود على الجاني . وهكذا يقول رسول الله (r) : "ادفعوا الحدود ما استطعتم" و"ادرؤوا الحدود بالشبهات"([17]).
2 - وجاء في كتاب (البر والصلة والآداب) للإمام مسلم أن رسول الله (r) قال: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"([18]) .
2 - ويقول سيد الخلق (r) : "لا تروّعوا المسلم، فإن روعة المسلم إثم عظيم"([19]).
3 – وقال رسول الله (r) في حجة الوداع : "ألا إن أحرم أيامكم يومكم هذا. ألا وإن أحرم الشهور شهركم هذا، ألا وإن أحرم البلاد بلدكم هذا، ألا وإن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم، قال: اللهم فاشهد"([20]) .
4 – وقال أيضاً رسول الله (r) : "بحسب امرئ من الشر أن يحقّر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرضه"([21]) .
5 – حتى أن رسول الله (r) حرم تعذيب الحيوان، فقد روي عنه أنه قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"([22]) .
ثالثاً – الأدلة من مواقف الخلفاء الراشدين :
1 – خطب عمر بن الخطاب (t) فقال : " يا أيها الناس إني والله ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم([23]) ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوَ الذي نفسي بيده لأقتصّنّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين، إن كان رجلٌ على رعيّة فأدب بعض رعيته أئنك لتقتصّنه منه ؟ قال : إي والذي نفسي بيده لأقتصنّه، وكيف لا أقتصنّه منه وقد رأيت رسول الله (r) يقتص من نفسه، ألا تضربوا المسلمين فتذلوهم"([24]) .
2– وروي عن الفاروق عمر (t) أنه قال : "ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو وثّقته" .
3- و قد روي عن ذي النورين عثمان (t) أنه قال: "رفع إلي أهل المدينة أن أقواماً من عمالي يشتمون و يضربون، فمن ادعى شيئاً من ذلك فليأخذ حقه حيث كان سواءً مني أو من عمالي أو تصدّقوا إن الله يجزي المتصدّقين".
4– و قال علي كرّم الله وجهه : "لا يحل الامتحان في شيء من الأشياء بضربٍ ولا بسجن ولا بتهديد، لأنه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ثابتة ولا إجماع" .
5– وروي أن عاملاً لخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز (t)، هو عدي بن أرطأة، كتب له يستأذنه في تعذيب من لا يدفعون الخراج، فكتب إليه عمر قائلاً : فالعجب في استئذانك إياي في عذاب البشر كأني لك الجنة من عذاب الله، فو الله لئن يلقوا الله بخطاياهم أحب إليّ من أن ألقاه بعذابهم.
6- كما روي أن عمر بن عبد العزيز (t) سأل كعب القرطبي، فقال: صف لي العدل. فقال: كل مسلم أكبر منك سناً كن له ولداً، و عاقب كل مجرم على قدر جرمه، و إيّاك أن تضرب مسلماً سوطاً واحداً على حقدٍ منك فإن ذلك يصيّرك إلى النار([25]) .
رابعاً – الأدلة من المذاهب الفقهية :
1 – يرى فقهاء المذهب الحنفي تحريم اللجوء إلى التعذيب، وقد نصحوا الحكام بذلك.
2 – أما الإمام الشافعي فقد فسر قول رسول الله (r) "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" بأن ذوي الهيئات هم الذين لا يعرفون الشر، والمراد بالعثرات الصغائر التي لا حد فيها، فيجب على المسلمين أن يتعافوا فيها، ولا يُعذب مسلم أو يُكره على المؤاخذة عليها"([26]).
3 – وأما المذهب المالكي ففيه رأيان . أحدهما لسحنون وهو يرى أنه يجوز تعذيب المتهم الذي اشتهر إجرامه وعصيانه لحمله على الاعتراف، أما الإمام مالك (t) فلا يجيز الضرب والتعذيب في المتهم([27]) .
4 – ويرى الفقهاء الحنابلة بعدم صحة الإقرار من المكرَه، فلو ضُرِبَ الرجل ليقر بالزنا لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنا([28]) .
5 – وقد منع الظاهرية التعذيب وحرموه مطلقاً، فعن شريح قال : السجن كره والوعد كره والقيد كره والضرب كره([29]) .
الفرع الثاني
ما يترتب على وقوع التعذيب
يترتب على وقوع التعذيب في الشريعة الإسلامية الأمور التالية :
أولاً : بطلان الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب .
ثانياً : القصاص من القائم بالتعذيب .
ثالثاً : تعويض ضحية التعذيب .
وسوف أتناول هذه الأمور، بإيجازٍ شديد، على الوجه الآتي :
أولاً – بطلان الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب :
لما كان التعذيب صورة من صور الإكراه الملجئ سواءً كان تعذيباً جسدياً أو نفسياً، ولما كان الإكراه الملجئ يتعارض مع حرية الاختيار فلا يعول على ما يصدر من الإنسان تحت وطأة التعذيب([30]) .
ويستمد الفقهاء دليلهم من قول الله تعالى : ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان ([31]) فهذه الآية الكريمة تبين لنا الأصل العام وهو أن الإكراه يسقط الإقرار بالكفر، فمن الأولى أن يبطل الإكراه ما دون ذلك فيُهدر الاعتراف الناتج عن الإكراه. أيضاً، يدعم أولئك الفقهاء رأيهم بما روي عن الرسول الكريم أنه قال : "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولفظ "ما" في الحديث يفيد العموم فيكون حكم كل تصرف أكره عليه الإنسان مرفوعاً والإقرار من جملة التصرفات"([32]) .
ومن تطبيقات ذلك : من أقر بسرقة تحت التهديد أو العذاب، فلو عين المتهم السرقة أو أخرج القتيل من مكانه الذي هو فيه في حال التهديد فلا يقتل ولا يقطع حتى يقر بعد ذلك آمناً على نفسه([33]) .
ثانياً – القصاص من القائم بالتعذيب :
روى أبو داود النسائي عن أزهر بن عبد الله "أن قوماً سُرق لهم متاع فاتهموا أناساً من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله (r) فحبسهم أياماً ثم خلى سبيلهم، فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له : خليت سبيلهم بغير ضربٍ ولا امتحان ؟ فقال لهم : ما شئتم، إن شئتم ضربتهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثله، فقالوا أهذا حكمك: قال : هذا حكم الله ورسوله" . وتوضح لنا هذه الرواية شرعية القصاص إن وقع التعذيب على المجني عليه ولم تثبت التهمة .
وفي حادثةٍ شهيرة، نفذ عمر بن الخطاب (t) القصاص في ابن عمرو بن العاص (t) حينما اعتدى على صبي من أقباط مصر([34]) .
ثالثاً – تعويض ضحية التعذيب :
أ – إذا أصيب المتهم نتيجة ممارسة التعذيب عليه بالضرب أو نحوه مما يؤدي إلى إصابته بجرحٍ أو تشويه فإن له الحق في أن يُعوّض مادياً ومعنوياً عما أصابه في بدنه بسبب هذه التهمة الكاذبة .
فعندما روّع عمر بن الخطاب يهودياً أغلظ إلى رسول الله (r)، أمر النبي عمر أن يعطيه عشرين صاعاً من تمرٍ جزاء ما روعه كتعويضٍ له، إضافةً إلى نصحه لعمر بأن يأمر المدين بحسن الأداء وينصح الدائن بحسن الطلب([35]).
ب – ولو أفضى التعذيب إلى الموت وجب ضمانه .
ومن تطبيقات ذلك : أنه إذا ضرب السلطان أو الوالي متهماً (أو عذبه) فمات نتيجةً لذلك.
قال أبو حنيفة والشافعي : "أنه يجب ضمان الدية في هذه الحالة لأن الضرب كان للتأديب فإذا أفضى إلى التلف، تبين أنه تجاوز الحد المشروع له" .
وقال المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية : "لا ضمان في هذه الحالة، ما لم يكن هناك إسراف أو زيادة على ما يحققه المقصود أو يتجاوز المعتاد"([36]) .
ومن البين أن أساليب التعذيب المتمثلة في الضرب الوحشي وغيره تتخطى هذه الحدود، بل أنه لا يُقصد منها التأديب وإنما تدمير شخصية المعذَّب . وينتج عنها تلف بدني ونفسي يصعب علاجه، وبالتالي، فإنها تندرج تحت التعذيب المحرَّم الذي يجب ضمان آثاره وفقاً للشريعة .
وأخيراً، نجد أن جميع الآثار الثلاثة السابقة المترتبة على التعذيب في الشريعة الإسلامية يتبناها القانون الدولي المعاصر كما سنلاحظ لاحقاً. مما يبرهن على أن شريعتنا الإسلامية كانت السبّاقة في العدل والرقي.
المطلب الثالث
الفقه الإسلامي المعاصر والتعذيب
أصدر المجلس الإسلامي العالمي في البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام الصادر في 19/9/1981 وثيقة إسلامية مستندة على القرآن الكريم والسنة النبوية، تعد مصدراً قانونياً لمن يريد من البلاد الإسلامية أن تهتدي به([37]).
وقد نصت هذه الوثيقة في المادة السابعة على حق الحماية من التعذيب قائلة :
[(أ) لا يجوز تعذيب المجرم فضلاً عن المتهم : (إن الله يعذب الذي يعذبون الناس في الدنيا)، كما لا يجوز حمل الشخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، وكل ما ينتزع بوسائل الإكراه باطل : (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
(ب) مهما كانت جريمة الفرد، وكيفما كانت عقوبتها المقدرة شرعاً، فإن إنسانيته وكرامته الآدمية تظل مصونة] .
كما قُّدِّم إلى الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، مشروع وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام، تفي بنفس الغرض، وقد نص المشروع في مادته الثالثة والعشرين على أن :
[لا يجوز القبض على إنسان، أو تقييد حريته أو نفيه، أو عقابه بغير موجب شرعي. ولا يجوز تعريضه للتعذيب البدني أو النفسي، أو لأي نوع من المعاملات المذلة، أو القاسية أو المنافية للكرامة الإنسانية، كما لا يجوز سن القوانين الاستثنائية التي تخول ذلك للسلطات التنفيذية] .
إذاً، يتضح لنا مما سبق عرضه أن الفقه الإسلامي المعاصر اتجه إلى تحريم التعذيب بشكل نهائي . وهناك من يرى، وهو مصيبٌ في ذلك، أن الضرورة تقتضي لضمان حماية حقوق الإنسان في المجتمعات الإسلامية أن تقوم الحكومات الإسلامية بتقنين الحقوق والحريات التي كفلها الإسلام ومنها حق الإنسان في السلامة الجسدية والنفسية وعدم تعرضه للتعذيب، أي صياغتها في شكل مبادئ يتضمنها دستور الدولة، أو إصدارها في شكل تشريعات واجبة التطبيق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أحكام الحقوق الحريات التي جاء النص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، رغم أنها تأخذ صفة حكم الله، إلا أن إصدارها في شكل تشريع أو في شكل إعلان دستوري – على نمط الصياغة القانونية الحديثة – إنما هو إجراء ضروري لتطبيق تلك الأحكام على الوقائع الحادثة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة([38]) .





([1]) د. طارق رخا (تحريم التعذيب والممارسات المرتبطة به – دار النهضة العربية – 1999 - ص 392 – 393 .
([2]) ابن فرحون ـ _____________________________________________________________________________________________________________________________ تبصرة الحكام في أصول القضية ومناهج الأحكام – الجزء 2 – مطبعة البابي الحلبي – 1378 هـ - ص 152 .
([3]) أحمد المطرودي – جريمة تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف والمسؤولية الجنائية فيها وتطبيقاتها في الشريعة الإسلامية – رسالة ماجستير – أكاديمية نايف للعلوم الأمنية – 2003 – ص 59 .
([4]) د. طارق رخا – المرجع السابق – ص 393 .
([5]) النسائي – السنن الكبرى – الجزء 4 – دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى – 1991 – ص 328.
([6]) ذكر فقهاء الإسلام ضوابط يُعرف بها هذا النوع من المتهمين، ويتم الاستعانة بها للاستدلال عليهم وهي : 1 – المباشرة الفعلية للمعاصي ؛ 2 – العلم باشتهاره بالفساد في الأرض ؛ 3 – تكرار وقوع المعصية منه ؛ 4 – الجهر بالسوء والفساد .
انظر : أحمد المطرودي – المرجع السابق – ص 61 – 63 .
([7]) ابن فرحون – المرجع السابق – ص 154 .
([8]) د. حسن سند – الحماية الدولية لحق الإنسان في السلامة الجسدية – دار النهضة العربية – الطبعة الثانية – 2004 – ص 492 – 493 .
([9]) ابن فرحون – المرجع السابق – ص 140 وما بعدها .
([10]) ابن فرحون – المرجع السابق – ص 140 .
([11]) د. محمد السعيد عبد الفتاح – أثر الإكراه على الإرادة في المواد الجنائية، دراسة مقارنة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية – دار النهضة العربية - 2002– ص 181 .
([12]) د. طارق رخا – المرجع السابق – ص 398 .
([13]) لعله من المفيد القول أن كلمة "تحريم" في الشريعة الإسلامية تقابل كلمة "تجريم" في الفقه القانوني الجنائي المعاصر .
([14]) سورة الإسراء : الآية رقم (70) .
([15]) النَسَفي – مدارك التنزيل وحقائق التأويل - الجزء 2 – دار الكلم الطيب – الطبعة الأولى – 1998 – ص 269 .
([16]) سورة الأحزاب : الآية رقم (58) .
([17]) د. أحمد أبو الوفا – كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام- الجزء 6 – حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية – دار النهضة العربية – الطبعة الأولى – 2001 – ص 396 .
([18]) مسلم- صحيح مسلم – دار الفيحاء – الطبعة الأولى – 1998 – ص1141.
([19]) علاء الدين الهندي – كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال – الجزء 16 – مؤسسة الرسالة– 1993 – ص 11 .
([20]) ابن سعد – الطبقات الكبرى – الجزء 2 – دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى – 1991 – ص 142 .
([21]) مسلم – المرجع السابق – ص 1124 .
([22])المرجع السابق– ص 1143 .
([23]) أبشار: جمع كلمة بشرة .
([24]) ابن سعد – الطبقات الكبرى – الجزء 3 – دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى – 1991 – ص 253 .
([25]) د. حسن سند – المرجع السابق – ص 497 .
([26])المرجع السابق – ص 498 .
([27]) ابن فرحون – المرجع السابق – ص 163 .
[justify]([color=#010101][b][28][font='Simplified Arabic']) ابن قدامة – المغني والشرح الكبير – الجزء 10 – دار الكتاب الع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.belboul.riadah.org
 
رؤية الشريعة الإسلامية للتعذيب ،إعداد الباحث: محمد صمصام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
في رحاب الجامعة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: