في رحاب الجامعة
أخي الفاضل سعداء بكم لتواجدكم معنا
مساهمتكم الفكرية و الفنية و توجيهاتكم حافز لنا للتألق و تجاوز الهنات
راسلونا عبر البريد الإليكتروني:
luobleb@yahoo.fr
0663065799/0651370505/0535538116
عيد مبارك سعيد
لولوج الموضوعات إضغط على : المنتدى . بعد ذلك اضغط على : المنتدى الأول . ( و هكذا يمكنك اختيار المواضيع )

في رحاب الجامعة

فضاء ثقافي ،تربوي، فني ،و علمي ينقلك إلى عالم العلم والمعرفة و يقربك و بشكل مباشر إلى جديد الأنشطة العلمية المتميزة بالجامعة و رصد التظاهرات المختلفة داخل المغرب وخارجه -هكذا أردنا و من هنا سننطلق في ثبات بغية خلق إعلام هادف وتواصل أعم. زيارتكم دعم لنا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إنحصـا ر اللغـة و خطـر الإ نـقراض الطيب بنعبيد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
belboul
Admin


عدد المساهمات : 1436
نقاط : 4414
تاريخ التسجيل : 30/03/2010
الموقع : المغرب -مكناس

مُساهمةموضوع: إنحصـا ر اللغـة و خطـر الإ نـقراض الطيب بنعبيد   السبت ديسمبر 10, 2011 4:34 pm

إنحصـا ر اللغـة و خطـر الإ نـقراض
الطيب بنعبيد

في الوقت الذي تشعبت و ازدهرت فيه دراسات علم اللغة linguistique بالوقوف على بنية اللغة - (باعتبارها نسقا يخضع لقوانـــــين خاصة و قواعد متميزة ، و باعتبار اللغة نظاما يحاول علم اللـــــغة وصفه أدق وصف بالوقوف مثلا على بنية اللغة الــــصوتية phonologie أو بالوقوف على الألفاظ و الكلمات المركبــة في الأصل من وحدات صــوتية و هو ما يدخل في علم المعاني sémantique كما يهتم علم اللغة بالألفاظ كرموز symboles في علم التواصل pragmatique و كذلك دراسة علم التراكيب syntactique و علم سيكولوجية اللغة psycholinguistique و علم اللغة المجتمعي socio-linguistique و غيرها من الدراسات ...) - في هذا الوقت بالذات تعرف اللغة العربيـــة انحصارا خطيرا و متواترا ضــــيق أفقــــها إلى درجة أصبحت تنذر بالخطر و هذا الانحصار شمل كل مكوناتها ، و ســــأحاول هنا الإشارة فقط إلى بعض مظاهر الانحصـــار التي جعلت مسار اللغة يتخذ رسما بيانيا هرميا يتجه نحو نقطة النهاية الحادة انطـــــلاقا من قاعدة عريضة غنيـــــة عرفت فيها اللغة عصرها الذهبي.
ائتلاف اللفظ والمعنى
يرى صاحب العمدة أن ( اللفظ جسم ، روحه المعنى ، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم ، يضعف بضعفه ويقوى بقوته ،فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصا للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك من غير أن تذهب الروح ، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ ،.فان اختل المعنى كله أو فسد بقي اللفظ مواتا لا فائدة فيه ،وان كان حسن الطلاوة في السمع ) ..فاللفظ في عصر ازدهار اللغة، كان دقيق الانتقا محدد الدلالة وقد اشترط فيه النقاد مثلا:أن يكون سمحا سهل مخارج الحروف من مواضعها عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البـــشاعة و العيوب فلا يكون ملحونا و جاريا على غير سبيل الإعراب و اللغة(حسب قدامة) و أهل البديــــع يقولون بضرورة تبعية اللفظ للمعنى , و قد ارجع الجرجاني سر جمال الكلمة إلى دلالة اللفظ . أما إبراهيم أنيس فقد ذهب الى أبعد من ذلك فهو يقف على جرس اللفظ و يدعو إلى العناية بحسن جرس و وقع الألفاظ في الأسماع (موسيقى الشعر) و الكلمة في هذا السياق محاطة بشــــــروط توصـــــلها إلى قمة البيان و التبين ، و الشعــــراء تحروا هذه الدقة إلى درجة أنهم جعــــــلوا للشيء الواحد عشرات الأسماء ليدل كل اسم على اختلاف جوهري يجعل ما يبدو مترادفا لغويا متنافرا دلاليا ،ويرى قدامة في ائتلاف اللفظ مع المعنى ضرورة (المساواة) وهي أن يكون اللفظ مساويا للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلا فقال:كانت ألفـــــاظه قولب لمعانيه . ويعلق محمد مندور على رأي (ابن قتيبة) في خدمة اللفظ للمعنى بقوله في كتابه ( النقد المنهجي عند العرب) : (....وعلى هذا الأسلوب تصدق وجهة نظر ابن قتيبة أذ اللفظ عندئذ لا يقصد منه الى غير العبارة عن المعنى ، بل نحن نذهب الى أبعد من ذلك فنقول ان المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه الا بلفظ واحد، فاللغات لا تعرف ولا يجب أن تعرف الترادف ،وأمر الألفاظ كأمر الجمل فالكاتب الحق هو الذي لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة التي تحمل ما في نفسه حملا أمينا كاملا ، بحيث تصبح عبارته كجسم حي لا يمكن أن ينتقـــص منه أو يزيد عليه شيء . والتحدث عندئذ عن العلاقة بين اللفظ والمعنى كالتحدث عن شفرتي مقص ، والتساؤل عن جودة أحدهما كالتـــساؤل عن أي الشفرتين أقطع . .وتعتبر العربية أغنى لغة وبامتــــياز بين كل لغات العالم بهذا التـــعدد والدقة ، مما خلق لنا ظواهر كثيرة ومنها: ظاهرة غنى العربية بالأفعال ومشتقلتها ، وظاهرة تعدد الأفعال المقاربة – وليست المرادفة - لنفس الفعل ، وظاهرة تنوع معاني الحرف الواحد ، وظاهرة تنوع وتفرد الأساليب والنحو، وظاهرة تعدد الأسماء لنفس الشيء توخيا للدقة المعجزة ،وهو ما سنشير اليه عرضا من خلال وقوفنا على ظاهرة احتضار الفصحى اليوم :
البراعة في تعدد الأسماء لنفس المسمى
وهي من الظواهر المثيرة للدهشة في الأدب العربي ،وأمثلتها لا تعد ولا تحصى ،وحسبنا منها بعض الأمثلة على سبيل الاستئناس فقط، فهذا(الفرس) مثلا تعددت أسماؤه في الشعر العربي إلى درجة أذهلت المستشرقين ، فالشاعر العربي جعل للفرس مثلا أسماء كثيرة جدا يرتكز وينطلق كل واحد منها على شكل من أشكاله الخارجية ( كالطول - و القصر- و اللون - و الضخامة – والعرض- والنحولة- و الخفة - و نوعية الشعر - و الذيل – والوجه –والعين ..).كما جعل له أسمـــــاء تتعلق بحالته ( كالغضب – والفرح- و السلم - و الجموح - و الرفض ...) و كذلك نوعيته من حيث ضروب الاستعمال: (كالحرب- والكر – والفر - والصيد- والجر- والحرث.والفرجة –والسباق- والحمل. ) .وهكذا قاربت أسماء الفرس المائة ،فبلغت من دقة التحديد والتصـــنيف ما لم تستطعه لغة أخرى في العالم . أما الاستعــــمال الحالي لأسماء الفرس فهو يقتــــصر على بضعة أسماء( كالفرس والحصان والجواد) فيكتفي بها المعبر دون البحث عن الدقة في التسمبة في جزئيات تفاصيلها الدالة مما جعل أسماء الفرس يضيق أفقها فيصبح الاسم الشائع شاملا لكل جنسه ، ومبهما في خصوصياته ، وغير قادر عن تحديد التفاصيل الجوهرية من خلال دقة التسمية ، وبذلك فقدت اللغة ثروة لغوية هائلة كما فقدت دقة وروعة التحديد الدقيق للأشياء . و الشيء نفسه يتكرر مع الحيوانات التي عاصرت القدماء (كالذئب ) الذي تعددت أسماؤه في الشعر العربي بحسب خصوصيات كل ذئب وجنسه ونوعه وشكله وذهائه ... ومن أسمائه : (الذئب- والخاطف -والسيد -والسرحان –وذؤالة- والعملس –والسلق- والسمسام- وأبو ملقة -وأبو جعفة -وأبوحعدة –وأبوثمامة- وأبوجاعد- وأبورعلة- وأبوسلعدة -وأبوالعطلمن –وأبوكاسب- وأبوسبلة -وأويس –ولحيف- والغبش ...) واليوم لا يعرف من أسمائه غير ( الذئب) ،وأسماء (الأسد )تجاوزت السبعين بحسب بعض المراجع ومنها (الأسد – والسبع –والضرغام –و الهصور –والفدوكش –والليث – والهزبر ...وغيرها)
وهذه الطيور بذورها تغني أسماؤهاالمعجم العربي القديم ولنأخذ (البوم) مثلا فسنجد لها أسماء كثيرة أطلقها القدماء، ومنها ( البوم- والصدى- والفيلد- وأم الخراب -وأم الصبيان -وغراب الليل -والهامة والضوع... وغيرها) . والأمر نفسه يتكرر مع كل الحيوانات التي عرفها العربي قديما كالظبي و ااجمل و النعامة والثعلب والبقر وأنواع الطيور والحشـــرات والزواحف بل وحتى النباتات والأعشاب التي بلغت من التصنيف الدقيق والتسميات الفرعية ما أغنى كتب الطب والصيدلة
...فالاستعمال القديم للاسم كان يتحرى دقة غريبة لتفاصيل جزئية في علاقتها بالسياق العميق للمعنى المراد. ولم يكن الشاعر العربي يطلق الاسم جزافا بل كان ينتقي الأنسب في دقة مذهلة لأنه كان يدرك رجاحة عقل المتلقي وتوخيه الجودة والدقة في الابداع ،
ومن أمثلة دقة العرب القدامى في التسمية ،أيضا، نقف عند ظاهرة الربط بين التسمية و المعرفة العلمية كمراحل النمو الجسدي عند الإنسان التي تدل على عبقرية العربي اللغوية وعلاقتها مع الدقة المتناهية المناسبة للحال والبعيدة كل البعد عن الجزافية والعفوية بل كانت تنطلق من معطيات علمية ومعرفية دقيقة تبعدها عن الاعتباطية فقد كان العرب يطلقون كلمة جنين على الإنسان في الرحم لأن الجيم والنون في العربية يرتبطان بكل ما هو خفي عن العين كما هو شأن( الجن ،والجناية ،والجنون ، والجنة ، وكذلك الجنين). وإذا ولد فهو وليد و قبل اتمامه سبعة أيام فهو صديخ و مادام يرضع فهو رضيع و إذا قطع عنه الرضاع فهو فطيم ثم اذا غلظ و ذهبت قرارة الرضاع فهو جحوش ثم اذا دب و نما فهو دارج فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور فإذا كاد يجاوز العشر سنين فهو مترعرع و إذا تجاوزها فهو ناشىء و إذا بلغ الحلم فهو يافع و بعده فهو مراهق و إذا تقوى فهو حزور و إذا صار ذا فتاء فهو فتى ثم شارخ فإذا اجتمعت لحيته و بلغ غاية شبابه فهو مجتمع و في الثلاثين فهو شاب ثم كهل و هكذا تتعدد الأسماء إلى (الموت) فإذا مات الإنسان عن علة شديدة نقول أراح و إذا مات بعلة نقول فاضت نفسه(بالضاد)و إذا مات فجأة فاظت نفسه(بالظاء)و إذا مات من غير داء فطس وفقس و إذا مات في شبابه مات عبطة و احتضر و اذا مات من غير قتل مات حتف أنفه و إذا مات بعد الهرم قضى نحبه و إذا مات مسافرا ركب ردعه و إذا مات نزفا صفرت وطابه و إذا قتل نفسه انتحر و إذا مات في سبيل الإسلام مجاهدا فقد استشهد و هو شهيد.وهي أنبل ميتة وأشرفها ,
ومن التعبير و التسمية عند العرب أنهم جعلو(ا للمرآة) أسماء و أوصاف خاصة تتعلق بالسن و الأخلاق و الجمال و الإنجاب و من أسمائها و أوصافها: ( طفلة-وليدة- شابة- مسلف- حيزبون- هيفاء- ولود- ودود- خود- رخيمة- عروب- حصان-نثور- نزور- مذكار- نوار- نصف- شهبرة- شمطاء..)
.أما اذا توقفنا عند حالات الانسان فسنلاحظ أيضا دقة اللغة في تحديد نوعيتها وحالاتها فهذا (الضحك) مثلا نجد العرب دققوا فيه وصنفوه ، فمنه( التبسم – والاهلاس – والافترار- والانكلال - والكتكتة - والقهقهة - والقرقرة - والكركرة – والاستغراب - والطخطخة - والاهزاق – والزهقة...) . فأين نحن من هذه الدقة المذهلة اليوم ؟؟ وقد أصبحنا لا نجد للشيء الواحد غير اسم يتيم واحد دون غيره نوظــــفه في شمولية مجحفة لا تفي بالغرض ولا تدقق المســـــمى .وهي علامة منذرة بالانقراض .
موت وانقراض الأفعال الأصيلة
وعلى مستوى آخر نلاحظ اندثار عدد من الأفعال والكلمات والمصطلحات من المعجم المستعمل حاليا الى درجة أدخلت الشائع قديما في عداد الغريب حاليا ، وقد اعتبر البعض عددا من الأفعال غير ذات أهمية وهي زائدة عن الحاجة اللغوية و التعبيرية ، و يتدرع بالقول أن القدماء كانو يستعملون الغريب والحوشي رغبة في التميز ، وهذا مردود ما دام شـــــــعرهم كان يفهـــــه معاصروهم بدقة وكان منافســــــوهم من الشعراء والنقاد يتحرون أخطاءهم للطعن في شاعريتهــــم مما كان يحتم عليهم عدم المجازفة باستــــــعمال ما لا يفهم ، وما لا يعرف ، فهذا الثــــــــعالبي مثلا يعيب على المتنبي ، الغريب والحوشي كمثل قوله:
( وما أرضى لمقلته بحلم اذ انتبهت توهمه ابتشاكا) والابتشاك : الكذب، وعلق الثعالبي قائلا : ولم أسمع فيه شعرا قديما ولا محدثا سوى هذا البيت ،وقد عاب عليه مجموعة من الكلمات الأخرى ، ومنها (الساحي:القاشر ، والحفش ،وقدى ،ووتطــــــسن ،واليلل ،والكنهور ،والنال،ووالمتديريها ،) وغيرها وهذا في الجزء الأول من اليتيمة .،ولا ننسى تأثير الانتماء الجــــــغرافي الشاسع وتأثير اللهجات المحلية في تنويع اللفظ قديما ولكن هذه الحالة زادت العربية غنى ولم تضعفها ، وتأمل بسيط للمعاجم العربية كالقاموس المحيط ومعجم البلدان ولسان العرب وكتاب العين والصحاح والمقايس في اللغة والمنجد وغيرها ، يؤِكد غزارة وغنى المعجم القديم، وفي مقابل ذلك يثبت كم ابتعدنا عن الفعل العربي ، وتمادينا في تجاهله والاضراب عنه بدعوى عدم صلاحيته في لغتنا اليوم ، ففي أساس البلاغة للزمخشري مثلا نجد جدوعاوأفعال وكلمات لم يعد لها استعمال في لغتنا ولا في أشعارنا وكأنها غير عربية ، مثل :أبس-أبش-أبط-أتب –أطط-أطم –أفخ –ألل- ألك – أنض –أوق- أوم –أيض –ايه ... وهي غيض من فيض في باب الحرف الأول فقط من الكتاب ،
ونتساءل وبكل صراحة ،هل نحن قادرون اليوم على فهم الأبيات العربية الأصيلة القديمة بسهولة كالتي وردت في (أساس البلاغة) مثلا وهي كثيرة يحسبها القارىء المعاصر فارسية أوغيرها لغرابتها عنا رغم فصاحتها العربية ومنها قول
ذي الرمة: حداهن شحاج كأن سحيله على حجرتيهن ارتجاز مفاضح.
أوقول كثير : تباري حراجيجا عتاقا كأنها شرائج معطوف من القضب مصحب .
أو قول الطرماح : معيد قمطر الرجل مختلف الشبا شرنبث شوك الكف شثن البراثن
أو قول آخر : فويلم بز جر شعل على الحصى فوقـر بز ما هنالك ضائع .
لقد عرفت الأفعال تطورا كميا و دلاليا خارقا للعادة إلى حدود العصر العباسي ، وكان هذا التطور موازيا لكل وسائل التعبيرواللغة ، ذلك أن العرب كانوا يتحرون دقة الفعل و الصورة ، فيتمثلون أدق أجزاء الحركة و يختارون لها فعلا خاصا بدقة متناهية تجعل الدارس لا يقرأ فعلا بل يشاهد صورة لفظية حية تنقل الحركة عيانا بكل دقة تفاصيلها فكان الشاعر يدقق في اختيار الفعل المناسب للحال ،- ومن باب الواقعية ،لا بد من إثبات عبقرية وإبداع مشارقة معاصرون في مجال اللغة من أمثال ،البارودي وشوقي وحافظ ومطران والرصافي وأمثالهم الذين تبنوا القوالب العباسية الرائعة - كما كان نقاد الشعر يتوقفون عند مدى ملاءمة الفعل للمعنى المراد و للصورة الشعرية المبتغاة ، وأحكام النقاد القدامى لا زالت شاهدة على هده الدقة ، والنقاد القدماء رغم تباين توجهاتهم النقدية مثل ابن سلام الجمحي وابن قتيبة وابن المعتز وقدامة وغيرهم فانهم اهتموا بمناسبة الفعل للمعنى أو الصورة ، بل وحتى عند النقاد السابقين لهم نلاحظ توخيهم مناسبة الفعل للغرض الشـــــــعري وللمعنى ويذكر لنا التاريخ الأدبي ذلك في مجالات تحكيم أسواق دومة الجندل وعكاظ ،و ندكرقصة تحكيم النابغة للخـــنساء على حساب حسان في الجاهلية ، وفيه تقصى النابغة دقة المعنى من خلال دقة اللفظ المســـــــتعمل والفعل الأبلغ في الدلالة على المعنى ومناسبة الغرض الشعري ،وقد تجلى ذلك واضحا عندما عاب النابغة على حسان استعـــمال فعل قطر واقترح ابداله بسال لأنه أبلغ
في الدلالة في باب الفخروأنسب للمعنى :
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
.وقدأدرك العربي روعة ودقة وتعدد أوجه الدلالة البيانية في الاسلام، و لا شك أن القرآن الكريم يعتبر نموذجا مثاليا في دقة دلالة الفعل بصورة اعجازية أبهرت اللغويين والشعراء وأفحمتهم مما ساهم في ضعف الشعروالسكوت عنه كما قال أحد الشعراء المخضرمين ( ما كنت لأقول شعرا بعدما علمني الله من آل عمران والبقرة).
ونجد في اللغة العربية ما يطلق عليه تجاوزا بالمرادفات مع العلم بأن اللغة العربية هي الوحيدة في العالم التي لا يتفق فيها فعلان على معنى واحد و أمثل لذلك بقولنا( ذهب أبي إلى المسجد) ففعل( ذهب) يبدو واضحا شافيا دالا معبرا مشبعا مقنعا للقارئ المعاصر، بيد أنه في حقيقته مبهم الدلالة على حال الذهاب فلو أبدلنا فعل (ذهب)في نفس الجملة بأفعال أخرى-ترادفه؟-(تبدو مشابهة له في المعنى لكنها شديدة التباين) لانتبهنا لضرورة وضع الفعل المناسب لحالة الأب الذاهب للمسجد لنضع بدل فعل ذهب فعلا من الأفعال التالية و نتعمق في المعنى و نلاحظ الاختلاف( سار، راح ، مشى، سرى ،أدلج، دلف، قصد ،أم ، حج ،توجه ،عرج ، صعد، سمق ، نزل ،انزوى ،هبط ،أسرع ، تسارع ،أبطأ ، تباطأ ، جرى ، انطلق ،هرول عدا ، زحف ،اندفع ، تدافع...) فلاشك أننا كلما أبدلنا ذهب بأحد هذه الأفعال فان معنى الجملة سيختلف اختلافا بينا و يقزم دلالة فعل ذهب لعدم دقته و شموليته، والقصد أننا اليوم لا نتحرى الفعل المناسب للمعنى الدقيق ونرضى بالشائع والمتداول من الأفعال للتعبير عن حالات شديدة التباين ، والمثال نفسه يصدق على فعل (نام) الذي نجعل له مرادفات دلالية مثل(رقد – غفا – وسن – اضطجع – غط – نعس ...) رغم التباعد الدلالي العميق بينها ، ونكتفي غالبا بالشائع (نام) ونجعله في كل معنى دون أدراك الفرق . والشيء نفسه مع كل الأفعال فنستعمل فعل (رأى أو شاهد ) بديلا ل ( رمق، وأبصر، ولمح، وخزر، وشخص، وتأمل، ولاحظ وشاف ،وحدق، ودقق، وشزر، وعاين ... ) وشتان بين معاني هذه الأفعال . وفي الكتابات الحالية لا يكلف الأديب نفسه عناء التقصي عن الفعل الدال على المعنى الدقيق ,بل يستعمل –في الغالب- الفعل السائد ناسيا أو متناسيا الفوارق الدلالية ودقة المعنى ،ليصبح الفعل فضفاضا لا يؤدي المعنى الدقيق ومع أنه سطحي فيصبح سائدا ومسيطرا وقاتلا للأفعال التي تدور في فلكه ولا ترادفه . وقد يبرر البعض ذلك بالرغبة في تيسير المعنى للاستيعاب، ولنا عليهم رد تاريخي وبصيغة أخرى هو: لماذا لا يحاول المتلقي فهم الكلام البليغ ويطلب من المبدع أن يصبح سوقي البيان ؟.
إننا نشهد اليوم ظاهرة خطيرة هي إقصاء مئات الأفعال من التوظيف اللغوي و الاكتفاء بالشائع منها و هي صورة نجد نقيضا لها في عصر ازدهار اللغة ذلك أن العربي كان يسعى لتطويع اللغة فعندما يود التعبير بفعل ما يستعرض كل الأفعال القريبة منه دلاليا و ينتقي الأنـــسب كما هو حال الحوليات و المنـــــقحات وأصحاب الصنعة ،وهو ما انتصر له ابن المعتز في البديع، و في بعض الحالات لا يجد الشاعر الفعل أو اللفظ المناسب لدقة المعنى فيطوع اللغة و يسمح لنفسه بخلق و إبداع ألفاظ جديدة غريبة عن المعجم في عصره و يراها أنسب للدلالة على معنى افتقده في معجم اللغة (رغم غزارته و غناه) و لذلك نجد بعض المفردات الغريبة و اليتيمة عند بعض الشعراء أبدعوها لتناسب المعنى و الصورة الشعرية كما هو حال المتنبي الذي أفرد له (الثعالبي) عدة أبواب في ( اليتيمة) ، ومن ذلك قوله:
(فتبيت تسئد مسئدا في نيها اسئادها في المهمه الأنضاء)
(أي:كلما قطعت الأرض، قطعت الأرض شحمهاعلىاحتذاء .) و هذا التوظيف يدل على دقة حس الصورة البيانية لدى العرب وتوخيهم الدقة ولو من خلال التمرد على الشائع ، وقد ورد عند قدامة في نقد الشعر ،شعر لابن حزام يقوله في أبي عبد الله وقد تضمن غريبا لفظيا رآه الشاعر أدل على المعنى المرجو بالرغم من وجود اللفظ السائد.(172)
تذكرت سلمى و اهلاسها ******* فلم أنس و الشوق ذو مطرؤه
فــحي الوزير امام الهدى ******* و هـــو بالأرب ذو محجــــؤه
يســــوس الأمور فتأتي له ******** و ما في عزيمــته منهـــــــؤه
وفي بالأمانة صــفو التقى ******** و ما الصفو بالرنق المحمـؤه
و قد تكون الضرورة الشعرية دفعته الى هذا و لكنه أيضا حس تطويع اللغة و قابليتها المطاطية لاستعاب كل المعاني.فإذا كان العربي في قمة غنى و تنوع القاموس العربي يبحث عن ألفاظ بديلة أنسب و أدل فنحن اليوم نقصي أغلب الأفعال و نحتفظ بواحد أو اثنين و نوظفــــــهما في كل أوجه التعبير دون تمييز الا ما نذر عند بعض الأدباء الذين أبدعوا موظفين البيان الأصيل تسمكا بعصر ازدهار الكلمة لكنهم عانوا من تهميش القارئ العربي لإبداعاتهم بدعوى غموضها و غرابتها و صعوبتها و في مقابل ذلك أقبل هذا القارئ على الردئ و السطحي و البسيط و الخالي من كل أصالة و المتملق لأسلوب الغرب.
اعاقة اللفظ والتمادي في الغلط
والأفضع من هذا أن الكلمات والأفعال المستعملة اليوم والتي نجت من الموت لحقتها اعاقة التلفظ ، فعندنا مثلا في المغرب الأقصى لم يعد هناك تواجد للفظ المشال مثل (الظاء - والثاء - والذال) في النطق . فينطق المــــغاربة هكذا : (الدئب والدهب والغداء والضبي والضلام والضرف والتـريد والتــواب والحديت )..رغم أن المخارج الصــــوتية عند المغاربة سليـــمة وبامكانهم النطق السليم لكل الحروف وبسهولة .ويعتبر أغلب المدرسين أن نطق هذه الحروف وبهذا الشكل المعوج خطأ شائع مقبول يدخل في عداد الصحيح فلا يتحروا دقة المخــــارج الصوتية مما يزيد من مآسي انهيار وانقراض اللغة . والغريب في الأمر أن مدرسي اللغة الفرنسية والأنجليزية والاسبانية وغيرها من اللغات عندنا يتحرون دقة النطق بنوع من الصرامة الزائدة خدمة لهذه اللغات الدخيلة وغيرة عليها . فما أغرب هذه المفارقة وأفضع به من تناقض سيؤدي حتما الى انقراض و موت الكلمة العربية بموت حرف منها .
أزمة اللفظ المشترك
و ظاهرة اللفظ المشترك(التي توسع فيها عبد الوهاب خلاف)كانت تزيد من عمق الدلالات أيضا باختلاف النسق الدلالي الشامل للجملة و اللفظ المشترك هو ما وضع لمعنيـــــين أو أكثر بأوضاع متعددة يدل على ما وضع له على سبيل البدل كلفظ (عين) جناسا في دلالاته على عين البصر و نبع الماء و الجاسوس و المساعد و الزكاة و بالذات و غيرها و قد حصل هذا الاشتراك بفعل اختلاف القبائل في استعمال اللفظ أو وضعه على سبيل الحقيقة أو المجاز و هي تحتاج إلى قرائن يتوصل بها إلى ترجيح أحد المعاني. و فيه باب خاص عند خلاف في أصول الفقه(ص177) و الملاحظ أن استعمال هذا النوع من الألفاظ المشتركة زاد اللغة غنى و لكن المعاصرين اكتفوا باللفظ الواحد غالبا و طرحوا شريكه في اللفظ ليحرموا اللغة من هذا الغنى و يضيق أيضا أفق اللفظ مع ما يجانسه ليصبح دالا اقتصارا على شيء واحد فقط بدل أن يصبح وعاءا غنيا لعدد من المعاني ينهل منها الدارس و المبدع ما يشاء بحسب السياق في طواعية و قابلية للتعدد.
المعنى اليتيم للحرف العربي الأعرج
و ما قلناه عن الاسم و الفعل نقوله عن الحرف فالحروف لم تسلم بدورها من هذا الإقصاء فهي نفسها تتباين دلالتها و معانيها و وظيفتها في الجــــــملة ف(الواو) مثلا كأداة عطف تختلف عن(الفاء) للتعقيــب أو( ثم) للتراخي...و لكن التوظيف الحالي ل(لواو)جعلها تأخذ الصدارة فتوظف دون غيرها من أدوات العطف بديلا عنهاوبدون اعتبار لسياق الجملة و بذلك قل استعمال (الفاء)و(ثم) أوأستعملتا في غير موضعهما في حين ندر استعمال(بل) العاطفة للإضراب وغيرها.
.و إذا تحدثنا عن الحرف الواحد نجد تعدد و تنوع معانيه بشكل مثير للدهشة في العربية لكننا نستعمله في وجه و معنى واحد أو اثنــــــــين حاليا ونجهل باقي أوجه استعــــماله وفي هذا ما فيه من خطر على جلاء المعاني وخصوصا منها القرآنية , و استدل على ذلك على حرف الجر(من)الذي تتعدد معانيه ، فهي:
* تفيد ابتداء الغاية( هذه الهدية من أخي )
* تبين الزمان أو غير الزمان: (رأيته من أول يوم) ( زين للناس حب الشهوات من النساء ) /آل عمران 14/
* التعليل: ( يتألم من الجوع )
* البذل: (يرضى فلان من المال بقليل)
* مرادفة لعند: ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) /المجادلة 17 /
* مرادفة لعن: (لا تكن في غفلة من هذا الأمر)
* مرادفة للباء : ( ينظرون من طرف خفي ) /الشورى 45 /
* مرادفة لفي : (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة)/الجمعة 9
* مرادفة لعلى:(و نصرناه من القوم)/الأنبياء 77
* للفصل بين المتضادين:(و الله يعلم المفسد من المفصح)/البقرة220
* و تستعمل للتأكيد و تكون زائدة شرط أن تكون الجملة مسبوقة بنفي أو استفهام بهل و يكون المجرور نكرة:(و ما تسقط من ورقة إلا و يعلمها) الأنعام 59 (فارجع البصر هل ترى من فطور)/الملك 3
ولووقفنا على الباء الجارة لوجدنا لها ثلاثة عشر معنى وهي ( الالصاق وهو المعنى الأصلي والاستعانة ،ووالسببية والتعليل ،ووالتعدية والقسم،والعوض ،والبدل ، والظرفية ،والمصاحبة ،وومعنى (من) ،ومعنى(عن) ،والاستعلاء ،والتأكيد . ونجد ل (عن) ستة معان .ول(على) ثمانية معان ،ول(في) سبعة معان ،و(للام) خمسة عشر معنى ... وقد ورد تفصيل ذلك وغيره في جامع الدروس العربية للغلاييني ، وهذا يؤكذ غنى الحرف العربي وقابليته للتأقلم مع كل أوجه التعبير وبحسب المعنى المنشوذ ، ولكننالا نستعمله ولا نوظفه اليوم الا في أشهر معانيه و نقصي الباقي مما سيؤدي إلى ضيق أفقه أو انقراضه مع توالي الاهمال. أو الاقتصار على بعض معانيه فقط .
عقم الأساليب العربية الحالية
أما في مجال الأساليب والاعراب فان العرب كانوا أحرص الناس على سلامتهما ألى درجة التعصب وقد كان يؤاخذ فطاحلة الشعراء ان هم تدخلوا في القواعد وحاولوا التغيير فيها ولو من باب الضرورة الشعرية ، وهدا صاحب اليتيمة يتشدد في عتاب المتنبي على الاعراب في بعض قصائده ((
(فدى من على الغبراء أولهم أنا لهذا الأبي الماجد الجائد القرم)
ولم يحك عن العرب (الجائد) وانما المحكى رجل جواد ،وفرس جواد ،ومطر جواد .
وكقوله: (لم ترمن نادمت الا كا لا لسوى ودك لي ذا كا)
فوصل الضمير بالا،وحقه أن ينفصل عنه كما قال الله تعالى( ضل من تدعون الا اياه ) .
وكقوله ( لأنت أسود في عيني من الظلم)
وصيغة أفعل في التعجب والتفضيل لا تبنى على الافعال الدالة على الالوان وانما يقال أشد سوادا وحمرة...))(يتيمة الدهر)
من المؤكد أن تأثير الاستعمار على العرب قد أدى إلى إقبار عدد من الأساليب الفصيحة ، بل أصبحنا نتلمس الأساليب الفرنسية في التعابير العربية كما هو الشأن في المغرب العربي ،الذي انتصر فيه دعاة التغريب بشكل ينبىء باندحار خطير للفصحى بهذه البقعة التي أنجبت فطاحلة الغرب الاسلامي والأندلس يوما ما . وكذلك غلبة اللهجات و العامية في الاستعمال سيطرت على المتكلم فأصبح يوظف أساليبها أثناء تعامله مع الفصحى و هذا الخليط خلق لنا لغة هجينا مختلطا شابها الدخيل و الأساليب الصحفية السائدة و التي لا تحترم في أغلبها القواعد الدقيقة للعربية الفصحى ، كماأقبرت الأساليب الرشيقة التي كانت تعج بالروعة و التنوع.و تأمل بسيط لكتب النحو الكبرى يجعلنا نلمس اندحار و اندثار عدد من الأساليب الفصحى.و حتى إن درسنا بعضها إلى أبنائنا في المدارس فان مجال استعمالها يكاد يكون مقتصرا على الدرس نفسه دون غيره . وقد ضاق مجال استعمال الفصحى في الرواية والمسرح والأغنية وتم التعصب للهجات العربية بصورة خطيرة في أغلب المجالات الابداعية بما فيها الشعر والنثر ،والغريب في الأمر أننا نجد أدباء مرموقين ومتملكين لناصية الفصحى يدعون الى استبدالها بالعامية توخيا للواقعية ،ومن هؤلاء الدعاة ( ميخائيل نعيمة ) الدي أخذ يهاجم في الغربال ومن خلال مقاله (نقيق الضفاضع) الأدباء والنقاد –المتزمتين؟- في اللغة وقواعدها وعلومها ،ويرى في تزمتهم هذا ما يشبه نقيق الضفاضع . وعنده ( أن اللغة ما هي الا مجرد رموز كغيرها من الرموز التي استخدمتها ولا زالت تستخدمها الانسانية كوسيلة للافصاح عما يختلج في النفس من فكر واحساس، وحسبها أن تستطيع اداء هذه الوظيفة بل من الخير تبسيط تلك الرموز الى أقصى حد مستطاع ، لأنها كلما ازدادت تبسيطا ازدادت قدرة على تحقيق وظيفتها في نقل الفكر والاحساس من نفس الى نفس ....) ويقول عن مسرحيته - الآباء والبنون -:(ان أكبر عقبة صادفتها في تأليف الآباء والبنون، وسيصادفها كل من طرق هذا الباب سواي هي اللغة العامية والمقام الذي يجب أن تعطاه في مثل هذه الروايات وفي عرفي –وأظن الكثيرين يوافقون على ذلك – أن أشخاص الرواية يجب أن يخاطبونا باللغة التي تعودوا أن يعبروا بها عن عواطفهم وأفكارهم، وأن الكاتب الذي يحاول أن يجعل فلاحا أميا يتكلم بلغة الدواوين الشعرية والمؤلفات اللغوية يظلم فلاحه ونفسه وقارئه وسامعه. لا بل يظهر أشخاصه في مظهر الهزل حيث لا يقصد الهزل ،ويقترف جرما ضد فن جماله في تصوير الانسان حسبما نراه في مشاهد الحياة الحقيقية...)( النقد والنقاد المعاصرون م.م) . ولوا ستعرضنا فـلموغرافية الدول العربية لنبحث عن الأفلام العربية التي تتحدث بالفصحى فسنندهش عندما نجدها لا تتعدى نسبة الواحد في المائة . وهي مصيبة لا نعيرها أدنى اهتمام . والشيء نفسه نلاحظه في مجال الغناء مع مفارقة غريبة وخطيرة وهي انتصار وغناء عدد كبير من الفنانين العرب باللغة الفرنسية أوالأنجليزية ... مع استثقال الغناء بالفصحى الا ما نذر .
و من أوجه الخطر في هذا الموضوع أيضا أن أساتذة المواد العلمية يسمحون لأنفسهم و لتلامذتهم بانجاز الدرس بالعامية و بارتكاب أخطاء تعبيرية فضيعة عند استعمال الفصحى ، و يخرجون ذلك من مسؤوليتهم التربوية بدعوى أنهم ليسوا أساتذة اللغة فلا يحاسبون على ذلك ، وأذكر أننا في مادة اللسانيات بإحدى جامعات المغرب كان يمثل الأستاذ للظاهرة الفونولوجية( باللهجة الأمازيغية) بنوع من التعصب المبالغ فيه رافضا وبكل انحياز الاستدلال بالعربية ، رغم أن جل الطلبة لا يعرفون الأمازيغية ، وهذا نموذج لخطر آخر يزيد الطين بلة . و لنتساءل هنا، هل الفصحى شيء ثانوي عرضي يقتصر توظيفها على حصة القواعد العربية فحسب دون غيرها.؟ وما مصير قرآننا وتراثنا؟
الحاسوب واشكالية تطويع اللغة العربية
ها قد دخلنا عصر المعلومات و أصبحنا نلاحظ صراع الفرنسية و الأسبانية و الألمانية و غيرها من اللغات السائدة مع الإنجليزية التي سيطرة على المعلوميات و في مقابل ذلك نجد تواجدا محتشما للحروف العربية و ليس للغة العربية ، و هذه أخطر حالة جديدة من حالات انحصار العربية، ذلك ان الحروب العربية برمجت بدون شكل ، و الشكل هو الإعراب ، و الإعراب هو الفصحى ، فلقد تجاوز المبرمـــــــجون شكل العربية بدعوى عدم قابلية الحاسوب و برمجته لظاهرة الشكل مما يحتم- بحسب أعداء الفصحى-إلى إقصاء الشكل. و من حقنا أن نستـــــــــغرب هذا الطرح إذ كيف تمكن المتخصصون وعباقرة المعلوميات من برمجة أشياء دقيقة جدا و شديدة التعقيد في الحاسوب بصورة عبقرية مذهلة، و عجزوا عن برمجة( ضمة و فتحة و كسرة) ؟؟؟ و عندما واجه الباحثون صعوبة تطويع الحاسوب العربي نادى بعضهم بالاستغناء عن الحرف العربي و تعويضه باللاتيني و هذا حكم مسبق بإعدام اللغة ما دام الشكل جزء من الكلمة و عنصر دلالي أساسي و محدد جوهري لنسق الجملة و تركيبها هذا بالإضافة إلى الدعوة إلى إدخال مصـــــــــطلحات الأجنبية إلى العربية بدعوى العصرنة و العلم و عجز الفصحى . لنجد أنفسنا أحيانا أمام نصوص تكاد تكون إنجليزية أو فرنسية بحروف عربية كما هو الشأن في النصوص العلمية ، و كأن العربية عاجزة عن خلق المصطلح و تطويعه مع العلم بأن العربية ظلت لقرون خلت لغة العلم الأولى و رحم الله حافظ ابراهيم عندما قال بلسان اللغة العربية:
رموني بعــقم في الـشباب و ليتني ******** عقـــمت فلم أجزع لــــقول عداتي
و سعت كتاب الله لفـــــظا و غاية ******** و ما ضقت به عن آي به و عظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *********و تنــــسيق أسمـــــاء لمخترعاتي
أيهــــجرني قومي عفا الله عنهموا ********* إلى لـــــغة لم تتــــصل بـــــرواة
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى ********* لعاب الأفـــــاعي في مسيل فرات
وهناك دعوة خطيرة جدا تهدد الحرف العربي وهي البحث عن بديل له من لغة أخرى ومهاجمة إحياء اللفظ الأصيل. وهذا مفكر عربي تحاشيت ذّكر اسمه تجنبا للحرج يقول وبكل جرأة عن كتابه :( تجنبنا –بقدر الامكان – استعمال المصطلح المتوفر القديم للتعبير عن المصطلح الداخل، لأن توظيف المصطلح القديم لنقل مفاهيم جديدة قد يفسد تمثيل المفهوم الجديد والمحلي على السواء، ولا يمكن إعادة توظيفه وتخصيصه لأن هذا يؤدي إلى مشترك لفظي غير مرغوب فيه ) عالم الفكر ص15.
والصورة التي أوضحتها باختصار تبين أن اللغة انتقلت من مرحلة الازدهار والشمولية والاتساع في كل المجالات المعرفية، الى مجال الحصار والضيق والاقصاء . علاوة علي غلبة وسيطرة العامية واللهجات واللغات الأجنبية في تنكر خطير للغة الأم، ولو وضعنا قاموسا للغتنا العربية المستعملة اليوم لكان قاموسا جيبيا صفحاته معدودة ومفرداته محسوبة. ألا يجدر بنا والحالة هكذا أن نتجند لانقاذ ما يمكن انقاذه مما تبقى من لغة القرآن التي تنزلق يوما بعد يوم نحو هاوية لا قرار لها ، ستؤدي بنا قريبا الى اعتبار القرآن الكريم طلسما يستحيل فهمه وتدبر معانيه ؟,أعتقد وبكل واقعية أننا بدأنا نعاني من صعوبة فهم كتابنا المقدس كما لو كنا غير عرب . كما أصبحت النصوص الفصيحة القديمة غريبة بين أهلها . وأنذب مستغيثا بلسان العربية المحتضرة على شاكلة ما قالت المرأة للمعتصم ( وامنقذاه ... وا عرباه ...وا اسلاماه... وا قرآناه ...) فهل من معتصم بين العرب يهب لنجدة العربية ؟؟؟، أم ترى عصر البطولات العربية ولى بدوره الى غير رجعة . وقد صدق الصادق عندما قال (ارحموا عزيز قوم ذل) والعزيز في مقامنا هو العربية المحتضرة .
.ذ . الطــيب بنعبـيــــــد /
مكناس / المملكة المغربية
المراجع
- نقد الشعر لقدامة بن جعفر تحقيق عبد المنعم خفاجي-(دار الكتاب بيروت).
- دراسات أدبية و لسانية عدد 4 (صيف خريف/خريف 1986).
- علم الفكر الاتجاهات المدنية في التربية(م19).
- عالم الفكر (الألسية)(م20).
- علم أصول الفقه(عبد الوهاب خلاف)(دار القلم)(ط.20)1972.
- المنجد في اللغة و الإعلام(دار المشرق)(ط20).
- لسان العرب-القاموس المحيط.
- جدلية الخفاء و التجلي كمال أبو ديب(دار العم للملايين ط1984).
- زمن الشعر-(أدونيس)دار الفكر(ط5)1976.
- موسيقى الشعر-إبراهيم أنيس دار القلم بيروت(ط4)1972.
- أساس البلاغة(الزمخشري)(دار الفكر بيروت).
- القاموس المحيط.
- المطالعة و النصوص(س9)(ط1-93)المملكة المغربية.
- جامع الدروس العربية (الغلايين منشورات المكتبة العصرية بيروت صيدى).
- النقد المنهجي عند العرب (م مندور)(دار النهضة مصر).
- النقد و نقاد المعاصرون,م(منذور)(دار القلم بيروت).
- العمدة ابن رشيق.
- أدب المهجر(عيسى الناعوري)(دار المعارف.
- العصر الاسلامي(شوقي ضيف).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.belboul.riadah.org
 
إنحصـا ر اللغـة و خطـر الإ نـقراض الطيب بنعبيد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
في رحاب الجامعة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: